أعجب ما سنراه في التعاون الفني بين (أم كلثوم) و الموسيقار الكبير (فريد الأطرش) أنه لم يحدث تعاون فني أصلاً !
تمني (فريد الأطرش) دائماً مثل جميع ملحني الشرق ! أن يتوج مجده بالتلحين لكوكب الشرق !
و أعلن ذلك صراحة و إنتظره سنين طوال ! و لكن (ثومة) آثرت عليه الثلاثة الكبار ! (زكريا ) و (القصبجي) و (السنباطي) !
فلما جاءت الستينيات ! و ما أدراك ما الستينيات ! إذ تجددت فيها الأمنيات ! حيث سمحت (أم كلثوم ) لأول مرة بدخول مواهب أخري مثل (الموجي) و (الطويل) و (بليغ) أولئك العباقرة الشباب !
و توجت مجدها في لقاء السحاب !
مع كبيرهم الذي علمهم الفن : (محمد عبدالوهاب) !
فتجدد أمل (فريد الاطرش) اليائس في اللقاء و قدم لها قصيدة (بشارة الخوري) عن (فلسطين) وهي (وردة من دمنا) ! و لكنها لم تعجب (أم كلثوم) ! و كانت محقة و ذكية فعلاً ! إذ أنها متواضعة لحنياً مقارنة بتحفة (محمد عبدالوهاب) الخالدة (فلسطين) المشهورة(أخي جاوز الظالمون المدي) !
و لعل (ثومة ) بذكائها المعهود خشيت من المقارنة المعهودة بينها و بين القمة الوحيدة المنافسة لها المتمثلة في (عبدالوهاب) والتي لن تكون في صالحها إطلاقاً !
لم ييئس(فريد) فقدم لها اغنية عاطفية هذة المرة و هي أغنية (كلمة عتاب) فلم تعجبها أيضاً !
و طلبت تعديلات في مقام اللحن رفضها (فريد) الذي كان يعتز جدا بألحانه و يرفض أي تعديل فيها و هو ماجعل الموسيقار الخالد (محمد عبدالوهاب) يتنبأ له بأنه لن يصلح كملحن(لأم كلثوم ) لأنها علي حد قول (عبدالوهاب) تميل دائماً الي التدخل في اللحن و الكلمات ! و قد فعلت ذلك فعلاً مع كبيرهم و استاذهم نفسه (محمد عبدالوهاب) في أغنيتين هما (إنت عمري) و (مرت الأيام) و سيأتي ذكرهما في الجزء الخاص بلقائها مع (محمد عبدالوهاب) و سنعرف كيف أن (عبدالوهاب) كان أكثر مرونة و ذكاء مع (أم كلثوم) حيث انه وافق علي معارضتها بمرونة ثم نفذ وجهة نظره في النهاية بذكاء !
و قد سجل (فريد ) الأغنيتين بصوته كما سجلت المطربة (وردة ) ايضا أغنية (كلمة عتاب) ليثبتا فعلاً أن (ثومة) كانت محقة في رفضهما ! لتواضع مستواهما مقارنة بأعمال أخري عظيمة (لفريد) !
و لأن (خبطتين في الراس توجع ) كما يقولون فقد اندفع (فريد ) بعد ذلك في موجات هجوم شديدة علي (ثومة ) خاصة في الإذاعة السورية و طالت ايضاً ملحني (ثومة) !
فقد قال شاكياً و إشتكي قائلاً أن أم كلثوم ظلمته لانها رفضته رغم أنه أعلي مقاماً من جميع ملحنيها و استثني منهم طبعاً (محمد عبدالوهاب ) !
كما لم يفته أن يلمح (لعنصريتها) كسبب للرفض لانه (شامي) و ليس مصري !
و أيضاً ذكر أن كراهيتها له بسبب شقيقته الراحلة (اسمهان ) !
و كلها طبعا أسباب لا تمت للحقيقة بصلة حيث أن الفنان الحقيقي مثل( ثومة) لا يهتم سوي بفنه فقط.
و هكذا إنتهت قصة لقاء (ثومة) و (فريد ) قبل أن تبدأ بنهاية مأساوية ! مثلها مثل المآسي الإغريقية ! بدأتها برفض (الوردة) و أنهتها برفض (كلمة عتاب) ظالمة غير حقيقية !
ظلم بها (أم كلثوم) التي لا يهمها في فنها إطلاقاً الا الأجمل !
و لم يسمع جملة (عبدالوهاب) الخالدة : لا شئ يقف أمام الأجمل !