نبدأ بتصحيح معلومة شائعة خاطئة . إذ يظن الكثيرون أن أول تعاون (لثومة) بعد الثلاثة(الكبار) (زكريا و القصبجي و السنباطي) كان مع الشاب الموهوب (بليغ حمدي) و لكن الصحيح أن (بليغ) كان ثالث ثلاثة من أولئك الملحنين (الشباب) ! سبقه (كمال الطويل) و سبق الإثنين (محمد الموجي)
و بدأت قصة تعاون (ثومة) مع ذلك الملحن الجميل الأصيل بعد أن إستمعت بالصدفة إلي أغنيته(الحليمية) البديعة (ياتبر سايل بين شطين. ياحلو يااسمر ) ! و يبدو أن تلك الأغنية عن النيل كانت وجه السعد علي الإثنين ! إذ لفتت نظر الأستاذ الكبير (محمد عبدالوهاب) و سأل عن مغنيها (حليم) وطلب لقاءه ! والتقيا فلم يفترقا بعدها إنسانياً أو فنياً !
و في نفس الوقت طلبت (أم كلثوم) لقاء ملحنها (الموجي) ليكون هو أول ملحن (شاب) يلحن لها (نشيد الجلاء ) (لرامي ) بمناسبة اتفاقية جلاء الانجليز عام (١٩٥٤) و هو نشيد بديع يقول مطلعه :
يامصر إن الحق جاء &
فاستقبلي فجر الرجاء &
اليوم قد تم الجلاء &
و تأمل معي هنا ملحناً من الشباب ! توكل إليه مهمة كالجبال ! و هي تلحين قصيدة (لأم كلثوم) لأول مرة في مناسبة تحدث أيضا لأول مرة في تاريخ البلاد !
و هي تحررها من المستعمر الأجنبي بعد قرون من الإحتلال متعدد الجنسيات !
و لكن (الموجي) ثبت للتحدي و أثبت بالتلحين الفخم الجميل أنه يصلح لان يكون إمتداداً لمدرسة (السنباطي) الفذ الأصيل !
و تتابعت ألحانه (لثومة) بقصيدتين رائعتين من العيار الثقيل !
(حانة الأقدار) و (الرضا و النور ) للشاعر (طاهر ابو فاشا) اللتين أذيعتا بعد ذلك في فيلم (رابعة العدوية) .
و أيضاً لحن لها لحن (الإذاعة) المصرية الشهير (ياصوت بلدنا ) و أتبع ذلك بلحنين عن (قناة السويس) :
محلاك يامصري و إنت عالدفة !
و بالسلام إحنا إبتدينا بالسلام !
و من الطريف أن تلك الأغنيتان قد عادتا للحياة و أذيعتا من جديد بعد أكثر من عشرين عاماً في عام ١٩٧٥ عند إعادة إفتتاح قناة السويس لأول مرة بعد حرب أكتوبر المجيدة !
و لكن ماذا عن الأغاني العاطفية !؟ الأولي كانت (للصبر حدود) للشاعر (عبدالوهاب محمد ) .
و قد لجأت فيها ثومة (للقضاء) (إنظر المقال الخاص بزكريا أحمد ) !
إذ نص العقد المبرم علي أن ينتهي (الموجي) من تلحينها خلال (شهر) فلما تأخر ارسلت إليه إنذاراً قضائياً بتنفيذ العقد !
و وقف (الموجي) أمام القاضي الجليل الذي قال له : أنك قد أخللت بالعقد مع (أم كلثوم) !
فرد (الموجي) :
إن التلحين لا يمكن التحكم فيه بفترة زمنية !
فماذا أنت قاض !؟
فرد القاضي قولته الشهيرة :
حكمت عليك بإكمال اللحن !
و أخبر (الموجي) (ثومة) بحكم القاضي الجليل و عاد بينهما الصفاء مرة أخري و ظهر اللحن للنور و وضح فيه تأثر الموجي بمدرسة (زكريا ) و (السنباطي) أكثر من لونه هو نفسه المتطور الذي سار فيه مع رفيق عمره (حليم) !
و دائما ما أري أن كلا من (السنباطي) و (الموجي) ملحنين لا يتكرران و قد لحن كلا منهما ألحاناً عبقرية (لثومة) و (حليم) و لعشرات المطربين و المطربات غيرهما !
و لكنني أشعر دائماً أن الصوت الأول عند (السنباطي) و الذي رعاه بألحانه و عاش له كان صوت (ثومة) !
أما الصوت الأول عند (الموجي)و الذي بدأ معه و عاش له و قال عنه إنه يمثل صوته الذي لم يغن به فقد كان صوت (حليم ) !
و لكن صادف تلك الأغنية الجميلة بعض من سوء الحظ ! إذ أنها لم يفصلها سوي شهور عن الأغنية الخالدة (إنت عمري) ( لقاء السحاب) !
الذي توجت به مسيرة (أم كلثوم) بموسيقى كبيرهم
(محمد عبدالوهاب) ! فلم تأخذ ماتستحقه من الشهرة و النجاح .
و جاءت بعدها بسنوات في ظروف أفضل رائعة(إسأل روحك) التي ظهرت فيها روح (الموجي) و بصمته بصورة أوضح و أجمل !
و لكن ظهرت بها مشكلة في غناء (ثومة ) للكوبليه الأخير !
إذ يحكي الفنان (الموجي) انه لحن كلمة(إسأل روحك . إسأل قلبك) بلحن تصاعدي لم تتمكن طبقات صوت (ثومة) ليلتها في أول حفلة للأغنية و قد جاوزت السبعين عاماً من أداء اللحن كما يجب و بات (الموجي) حزيناً كما لم يحزن من قبل !
ليفاجأ في الصباح الباكر بإتصال من الموسيقار الكبير (محمد عبدالوهاب) ليرشده بحنو الأب و عبقرية الأستاذ لبعض التعديلات في اللحن و النزول به درجة حتي يلائم صوت (ثومة) .
و في الحفلة التالية بعد تنفيذ إقتراح (عبدالوهاب) يحكي الموجي بتأثر كيف أبدعت (ثومة) و كيف كان (عبدالوهاب) أول من يتصل به لتهنئته علي نجاح اللحن !
لقد كان(الموجي) مع (ثومة) كما عهدناه دائماً ملحناً عظيماً ذو موهبة متفردة أخذ من أستاذه (السنباطي) الأصالة و القدرة علي تلحين القصائد .
و تشرب من أستاذه الأكبر (محمد عبدالوهاب) الجملة الموسيقية البديعة و التطور و التجديد .
رحمهم الله بقدر ما اسعدوا الملايين من العاشقين !