أحمد مجدي.. الممثل الذي اختار أن "لا يكون محبوبًا" فأحبه الجمهور رغما عنه

أحمد مجدى
أحمد مجدى

يطل علينا أحمد مجدي بشخصية "مسعد" في مسلسل فات الميعاد، حاملاً على عاتقه تحديًا تمثيليًا معقدًا وهو أن يُقنع المشاهد بأن الرجل العنيف ليس دائمًا بشعا، وأن الانهيار الأخلاقي قد لا يولد من الشر بل من الهشاشة النفسية، وأن "الضحية" ليست دائمًا امرأة فحسب، بل أحيانًا يكون الرجل أيضًا ضحية صراعات طبقية وأخلاقية وتربوية.


"مسعد" ليس شريرًا بالمعنى الكلاسيكي، بل ينتمي إلى نموذج "البطل المضاد"، رجل يبدو طيبًا، يملك القدرة على الحب، لكنه يعجز عن التعبير عنه، فيفسده. 
علاقته بزوجته بسمة (أسماء أبو اليزيد) هي مرآة لمجتمع يُربّي أبناءه الذكور على الامتلاك، لا الشراكة، وعلى السيطرة، لا الحوار.

مسعد لم يكن فاسدًا منذ البداية، لكنه ينزلق تدريجيًا نحو القاع، وذلك بدايةً بسرقة مدخرات زوجته، ثم الضرب، ثم الفساد المهني (تهريب الأدوية)، ثم السقوط النهائي وهو السجن.

وهنا يُطرح السؤال.. هل كتب المؤلف الشخصية بسيناريو سقوط أم بنية تفكيك؟

الحقيقة أن العمل – وإن لم يمنح الشخصية تأملًا كافيًا داخليًا – إلا أن أداء أحمد مجدي ملأ تلك الفجوات بصمتٍ ثقيل، وقراءة داخلية صادقة جدًا.

 

 

يعاني "مسعد" من أزمة في المرحلة الرابعة من تكوين الذات أي صراع ما بين الكفاءة مقابل النقص، كما أن نشأته الاجتماعية، وشعوره الدائم أنه "أقل من الآخرين"، خلق داخله حالة دفاعية، كرفضه لنجاح زوجته (حتى لو كان ماديًا)، والاحتياج لإثبات السيطرة، واللجوء للعنف كتعويض عن فقدان الحيلة.
كل هذه العناصر تؤكد أننا أمام شخصية محطمة داخليًا، تخاف الحب لأنها لا تراه إلا تهديدًا.


الأداء التمثيلي لـ أحمد مجدي

اللافت في أداء أحمد مجدي أنه اختار استراتيجية "الهدوء المكبوت" حيث تبدو معظم انفعالاته غير مكتملة، ومقطوعة عمدًا، وكأن الشخصية لا تملك رفاهية الانفجار.

نبرة صوته المنخفضة، والنظرة شبه الغائبة، وحركاته المحدودة، كلها أدوات استخدمها الممثل ليُظهِر الانفصال النفسي الذي يعيشه مسعد عن نفسه، وعن محيطه.
المشهد الذي يتلقى فيه خبر ولادة بسمة من زوجها الجديد كان نموذجًا للاقتصاد في التعبير، اكتفى مجدي بلحظة صمت بعد قوله "إنتي خلفتي يا بسمة"، طرفة عين، وخطوة متأخرة للوراء، لكنها كانت أقوى من أي انفعال.

 

 

ما ميّز أداء أحمد مجدي اختياره لتقديم شخصية مأزومة في صمتها، لا في ردود أفعالها، لكن يظل السؤال.. هل منحه النص الفرصة الكافية لتقديم ذلك العمق؟، والإجابة: جزئيًا.
فالسرد كان سريعًا، والتحولات حادة، لكنه كممثل مدرّب وواعٍ  استطاع أن يُراكم المعنى من خلال التفاصيل الصغرى، لا المشاهد الكبرى.


أحمد مجدي.. الممثل الذي اختار أن "لا يكون محبوبًا" فأحبه الجمهور رغما عنه

قوة أحمد مجدي تكمن في أنه لا يسعى أن يكون محبوبًا من الجمهور، بل يسعى لأن يكون حقيقيًا، وهذه مخاطرة كبيرة في سوق درامي يبحث عن البطولة النمطية.

أداءه في "فات الميعاد" ليس فقط علامة فنية، بل موقف وجودي.. أن تُجسد رجلًا ضعيفًا، مخطئًا، معذبًا، وتمنحه إنسانية… هذا هو التمثيل كما يجب أن يكون.

تم نسخ الرابط