لماذا ترعرع في وادينا الطيب كل هؤلاء الأشباه؟
في زمن أصبح فيه الشبه طريقا للشهرة، والتقليد وسيلة لجذب الأنظار، لم يعد غريبا أن تجد في كل مكان تقريبا شخصا يحمل لقب «شبيه فنان» أو «نسخة من نجم»، وكأن عالم النجومية لم يعد حكرًا على أصحاب الموهبة والإبداع، بل أصبح مفتوحا أيضا أمام من تتقارب ملامحهم مع نجوم صنعوا تاريخهم الفني.
من شبيه عادل إمام وعمرو دياب، إلى أشباه نجوم الزمن الجميل، تتزايد الظاهرة بصورة لافتة، ولم تعد مجرد دعابة عابرة أو مقارنة تلقائية بين الوجوه، بل تحولت لدى البعض إلى مشروع لصناعة الشهرة، واستثمار الملامح في الإعلانات والحفلات والمناسبات، بل وتحقيق الأرباح عبر منصات التواصل الاجتماعي.
لكن ما الذي يدفع هؤلاء إلى اتخاذ الشبه مع المشاهير بوابة للانتشار؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد استثمار فرصة شكلية، أم أن وراءه دوافع نفسية مرتبطة بالحاجة إلى الاهتمام والتقدير والبحث عن هوية مميزة؟ وكيف تحولت هذه الظاهرة إلى نشاط اقتصادي يستثمر في رصيد النجوم وشهرتهم؟
أسئلة تفتح الباب أمام قراءة أعمق لظاهرة أشباه المشاهير، التي تتقاطع فيها حسابات النفس مع منطق المال وثقافة الشهرة السريعة.
وفي هذا الملف، يرصد «وشوشة» أبعاد الظاهرة من خلال رؤية علم النفس والاقتصاد، ويناقش مع خبراء ومتخصصين أسباب انتشارها، وتأثيراتها المحتملة، وحدود الفاصل بين التشابه الطبيعي وصناعة الشهرة على حساب نجوم صنعوا أسماءهم بالموهبة والتاريخ.
علم النفس.. لماذا نرى شخصا في وجه شخص آخر؟
من الناحية النفسية، يطرح التشابه بين الأشخاص سؤالا مهما: كيف يستطيع العقل البشري الربط بين وجه نراه للمرة الأولى ووجه آخر اختزنته الذاكرة؟، فالإنسان لا يتعامل مع الوجوه باعتبارها مجموعة من التفاصيل المنفصلة فقط، بل يتعرف عليها من خلال أنماط وسمات مجتمعة، مثل شكل الوجه والعينين والأنف والابتسامة والتعبيرات.
ولا يتوقف الأمر عند الملامح، فقد يشعر البعض بأن شخصًا ما يشبه آخر بسبب نبرة صوته أو طريقة حديثه أو حركاته وتعبيرات وجهه، حتى وإن لم يكن هناك تشابه كبير بينهما من الناحية الشكلية.
كما تلعب الذاكرة والانطباعات السابقة دورًا في هذه المقارنات، فقد يرتبط وجه شخص جديد في أذهاننا بإنسان نعرفه أو شخصية مشهورة اعتدنا رؤيتها، فتظهر المقارنة بصورة تلقائية.
لكن الأمر لا يتوقف عند حدود الإدراك البصري والمقارنة التلقائية بين الوجوه، فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي تحول التشابه مع المشاهير لدى البعض من مجرد ملاحظة عابرة إلى فرصة لصناعة محتوى وجذب المتابعين وتحقيق مكاسب مادية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الدوافع النفسية وراء هذه الظاهرة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور عاصم حجازي، الخبير التربوي وأستاذ علم النفس بجامعة القاهرة، أن ظاهرة استثمار بعض الأشخاص لتشابههم الشكلي مع المشاهير من أجل تحقيق الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي لا يمكن تفسيرها باعتبارها مؤشرا على وجود مشكلة نفسية لدى جميع الحالات، موضحا أن الأمر قد يكون في بعض الأحيان مجرد استثمار ذكي لميزة شكلية في صناعة المحتوى وتحقيق الشهرة، لكنه في حالات أخرى قد يرتبط بدوافع نفسية تستحق التوقف أمامها وتحليلها.
وأوضح حجازي، في تصريحاته لـ«وشوشة»، أن من أبرز الدوافع النفسية وراء هذه الظاهرة الحاجة إلى الاهتمام والتقدير الاجتماعي، إذ قد يمثل التشابه مع شخصية مشهورة وسيلة سهلة وسريعة لجذب انتباه الآخرين والحصول على القبول الاجتماعي والشعور بالأهمية، خاصة لدى الأشخاص الذين لديهم حاجة مرتفعة إلى التقدير الخارجي، فيجد الفرد أن التشابه يمنحه اهتماما سريعا دون الحاجة بالضرورة إلى تقديم إنجازات أو مواهب خاصة به.
وأضاف أن البحث عن هوية اجتماعية جاهزة يمثل دافعا آخر لدى بعض الأشخاص، خاصة من يواجهون صعوبة في إبراز هويتهم المستقلة أو تحديد السمات التي تميزهم عن الآخرين، فيلجأون إلى الارتباط بصورة شخصية مشهورة والاستفادة من مكانتها ورصيدها الجماهيري، وهو ما يمكن تفسيره نفسيًا بمفهوم التماهي، الذي يشير إلى تبني الفرد بعض خصائص شخص آخر أو صفاته أو أنماط سلوكه.
وأشار إلى أن الحاجة إلى الشعور بالتميز والتفرد قد تدفع البعض إلى التمسك بهذا التشابه، إذ يشعر الشخص بأنه يمتلك ميزة استثنائية تجعله مختلفًا عن المحيطين به، ويصبح اهتمام الآخرين بهذا التشابه مصدرًا لتعزيز شعوره بالتميز.
ولفت إلى أن التعزيز الاجتماعي والمادي يلعب دورا مهما في استمرار الظاهرة، فعندما يحصل الشخص على آلاف الإعجابات والمشاهدات والتعليقات، ثم تتحول هذه الشهرة إلى إعلانات ومقابل مادي، فإن ذلك يمثل تعزيزا إيجابيا يزيد من احتمالية استمرار السلوك وتكراره، وقد يتحول الأمر من مجرد استثمار عفوي للتشابه إلى محاولة متعمدة للمحافظة عليه وتضخيمه.
وتابع أن التأثر بثقافة الشهرة السريعة التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي يمثل أحد العوامل المؤثرة، حيث تقدم هذه المنصات نماذج لأشخاص استطاعوا تحقيق انتشار واسع دون امتلاك إنجازات علمية أو فنية واضحة، وهو ما قد يعزز لدى البعض الاعتقاد بأن الشهرة في حد ذاتها هدف يستحق السعي إليه، بغض النظر عن الوسيلة التي تحققت بها.
وأكد حجازي، أن الدوافع الاقتصادية لا يمكن إغفالها عند تفسير الظاهرة، فبعض الأشخاص يتعاملون مع التشابه باعتباره فرصة تجارية يمكن استثمارها في الإعلانات والتسويق وصناعة المحتوى، وتحويله إلى علامة شخصية تحقق عائدًا ماديًا، مشددًا على أن هذا الدافع لا يحمل بالضرورة أي دلالة مرضية أو سلبية.
مخاطر تهدد الهوية وتقدير الذات
وحول الآثار النفسية السلبية التي قد تترتب على المبالغة في استثمار التشابه مع المشاهير، أوضح حجازي، أن من أبرزها تراجع استقلال الهوية الشخصية، عندما يصبح التشابه مع الشخصية المشهورة هو المكون الأساسي لهوية الفرد، فلا يعود مهتما بتقديم نفسه من خلال صفاته وقدراته وإنجازاته الخاصة، وإنما من خلال ما يجعله شبيهًا بشخص آخر.
وأضاف أن الاعتماد على التقدير الخارجي يمثل أحد المخاطر المحتملة، إذ قد يصبح شعور الفرد بقيمته الذاتية مرتبطا بمدى إعجاب الآخرين بالتشابه الذي يقدمه، وليس بتقديره لقدراته وصفاته الشخصية، وهو ما يجعله أكثر عرضة للتأثر النفسي عند تراجع الاهتمام الجماهيري أو ظهور نماذج جديدة أكثر جذبا للمتابعين.
وأشار إلى أن الظاهرة قد تؤدي كذلك إلى الاغتراب عن الذات، عندما ينشغل الفرد بالصورة التي يريد أن يراه الآخرون من خلالها على حساب صورته الحقيقية عن نفسه، وقد يجد نفسه مضطرًا إلى المحافظة على مظهر أو طريقة حديث أو أسلوب حياة لا يعبر بالضرورة عن شخصيته الحقيقية.
وأوضح أن تحول الشهرة إلى مصدر للدخل أو المكانة الاجتماعية قد يخلق حالة من القلق المستمر المرتبط بالمحافظة على الانتشار، نتيجة الخوف من فقدان المتابعين أو تراجع المشاهدات والاهتمام الجماهيري، بما يضع الفرد تحت ضغط دائم للحفاظ على الصورة التي اعتاد الجمهور رؤيته من خلالها.
وتابع أن الاعتماد النفسي على المقارنة الاجتماعية قد يدفع الشخص إلى الدخول في دائرة مستمرة من مقارنة نفسه بالشخصية المشهورة التي يشبهها، سواء من حيث المظهر أو الشهرة أو المكانة أو النجاح، وقد تؤدي هذه المقارنات إلى الشعور بالنقص أو الإحباط عندما يدرك الفرد أنه لا يمتلك المكانة أو القدرات نفسها.
ولفت إلى أن المبالغة في تقمص شخصية المشهور قد تؤدي إلى اضطراب الحدود بين الشخصية الحقيقية والصورة الإعلامية، بحيث يحدث تداخل بين الهوية الحقيقية للفرد والدور الذي يقدمه أمام الجمهور، مؤكدا أن هذا التداخل لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي أو اضطراب في الهوية، لكنه قد يمثل مشكلة في التوافق النفسي إذا أصبح الشخص غير قادر على الفصل بين ذاته الحقيقية والصورة التي يروج لها إعلاميًا.
كما أكد الخبير التربوي، أن ضعف تقدير الذات قد يكون من النتائج المحتملة لهذه الممارسات، خاصة عندما يستمد الفرد قيمته الشخصية بصورة أساسية من التشابه مع المشاهير والمقارنات الاجتماعية وحجم الاهتمام الجماهيري، فتظل ثقته بنفسه هشة ومرتبطة بعوامل خارجية متغيرة، بدلًا من أن تستند إلى إدراك حقيقي لقدراته وإمكاناته وإنجازاته المستقلة.

كيف تحولت الملامح إلى مصدر للربح؟
إذا كان التشابه مع المشاهير قد بدأ في إطار الملاحظة الاجتماعية أو الاستعانة بأشخاص يشبهون الأبطال في الأعمال الفنية، فإن التطور التكنولوجي وظهور منصات التواصل الاجتماعي نقلا الظاهرة إلى مستوى مختلف، بعدما أصبح الشبه نفسه فرصة لتحقيق عائد مادي، وهو ما يفسر انتقالها من مجرد تقليد فني إلى نشاط تجاري يستفيد من شهرة النجوم.
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور ياسر حسين، الخبير الاقتصادي، أن ظاهرة أشباه الفنانين ليست جديدة على المجتمع المصري، وإنما تعود جذورها إلى بدايات السينما المصرية والفن الحديث، عندما ظهرت ظاهرة «الدوبلير» الذي كان يستعين به أبطال الأعمال الفنية لأداء بعض المشاهد الصعبة، مستفيدا من وجود قدر من التشابه الشكلي بينه وبين البطل، مقابل الحصول على أجر مادي.
وأوضح حسين، في تصريحاته لـ«وشوشة»، أن الظاهرة تطورت بمرور الوقت من مجرد الاستعانة بأشخاص يشبهون الفنانين في بعض المشاهد السينمائية، إلى ظهور أشخاص يحاولون تحقيق الشهرة واستثمار التشابه مع نجوم الفن، من خلال تقليد مظهرهم أو طريقة أدائهم أو الاستفادة من أسمائهم الجماهيرية، مشيرا إلى ظهور نماذج تدعي الشبه مع عدد من الفنانين، مثل عادل إمام وعمرو دياب وغيرهما.
وأضاف أن تقليد الفنانين كان موجودًا أيضًا في العروض الاستعراضية وفقرات المونولوج، التي تعتمد على تقليد عدد من الفنانين والفنانات بهدف الترفيه وتحقيق مقابل مادي، إلا أن الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي أحدث نقلة كبيرة في حجم الظاهرة وطبيعة استغلالها اقتصاديا.
وأشار إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أتاحت الفرصة أمام كل شخص يرى أن لديه قدرا من الشبه مع فنان أو نجم مشهور، سواء كان من نجوم الزمن الجميل أو الفنانين المعاصرين، لمحاولة بناء شهرة خاصة به اعتمادا على الرصيد الجماهيري للفنان الأصلي، لافتا إلى ظهور أشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم أشباه الفنانة زبيدة ثروت، والفنان محمود المليجي، والفنان علي الكسار، والفنانة نرمين الفقي، وغيرهم.
وشدد الخبير الاقتصادي، على أن المحرك الأساسي وراء انتشار هذه الظاهرة لدى قطاع من أصحابها هو تحقيق المكاسب المادية، حيث تحول التشابه الشكلي إلى فرصة تجارية يتم استغلالها من خلال المشاركة في المهرجانات الشعبية، وإحياء الأفراح، وحضور افتتاح المحال والمراكز التجارية، والترويج للسلع والمنتجات، فضلا عن الظهور في الإعلانات والمناسبات المختلفة مقابل أجر.
وأوضح أن بعض هؤلاء يحاولون استثمار الشهرة التي يحققونها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في الحصول على فرص إعلانية وتجارية، حتى في الحالات التي يكون فيها التشابه مع الفنان الأصلي محدودا أو محل اختلاف، مستشهدا بنماذج تقدم نفسها باعتبارها شبيهة بالفنان الراحل عبد الحليم حافظ، وتسعى إلى توظيف هذه الصفة في تحقيق عائد مادي من خلال المهرجانات الشعبية أو الإعلانات أو افتتاح المشروعات التجارية.
ولفت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تكتفِ بتوسيع نطاق انتشار الظاهرة، بل خلقت واقعا اقتصاديا واجتماعيا جديدا، من خلال البث المباشر «اللايفات»، الذي أصبح وسيلة لتحقيق عوائد مالية من المشاهدات والتفاعل الجماهيري، حيث يسعى بعض صناع المحتوى إلى جذب أكبر عدد ممكن من المتابعين وتحويل الانتشار الإلكتروني إلى مصدر للدخل.
وأضاف أن هذا النموذج لم يكن متاحا بالصورة نفسها في السابق، إذ أصبح بإمكان الشخص أن يبني جمهورًا واسعًا اعتمادًا على التشابه مع أحد المشاهير، ثم يستثمر هذا الجمهور في تحقيق أرباح عبر الإعلانات والبث المباشر والترويج التجاري، وهو ما يعكس تأثير التكنولوجيا الحديثة في تغيير أنماط النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
حماية تراث النجوم.. أين تقف حدود استثمار الشبه؟
وأكد حسين، أن الظاهرة تحتاج إلى تنظيم وضوابط واضحة، خاصة فيما يتعلق بحماية الحقوق الأدبية والفنية للنجوم أصحاب التاريخ والإبداع، مشيرا إلى ضرورة عدم السماح باستغلال أسماء الفنانين وصورهم وتراثهم الفني بصورة تسيء إلى مكانتهم أو توهم الجمهور بوجود ارتباط رسمي بينهم وبين من يقدمون أنفسهم باعتبارهم أشباهًا لهم.
وأشار إلى أن هناك جانبا آخر من الظاهرة يرتبط ببعض أشكال المحتوى المثير للجدل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يسعى البعض إلى جذب المشاهدات وتحقيق الأرباح من خلال محتوى يخالف الآداب العامة، مؤكدا أهمية تطبيق القانون على أي ممارسات تتجاوز الحدود القانونية، مع الحفاظ على التوازن بين حرية التعبير وصناعة المحتوى وحماية القيم المجتمعية.
وشدد على أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على التعامل مع التجاوزات، وإنما تمتد إلى وضع إطار يحمي التراث الفني المصري وحقوق أصحابه، ويمنع استغلال تاريخ النجوم الكبار لتحقيق مكاسب تجارية بصورة تسيء إلى قيمتهم الفنية أو تضلل الجمهور.
وأكد الخبير الاقتصادي، أن الشهرة القائمة على التشابه والتقليد تظل مختلفة عن الشهرة القائمة على الإبداع الحقيقي، موضحا أن لكل فنان بصمته الخاصة وتاريخه الفني ومكانته التي صنعها من خلال أعماله، وأن تقليد المظهر أو استثمار الشبه لا يمكن أن يكون بديلا عن الموهبة والإنتاج الفني الحقيقي، مضيفا أن استمرار هذه الظاهرة وانتشارها لا يعني بالضرورة قدرتها على الاستمرار طويلا، لأن الجمهور قد ينجذب في البداية إلى عنصر التشابه والغرابة، لكنه يظل في حاجة إلى محتوى حقيقي وإبداع متجدد، مؤكدا أن الفنان الحقيقي هو من يقدم بصمة فريدة وأعمالا تضيف إلى مجتمعه وتسهم في إثراء الحياة الثقافية والفنية.






