سباعية برامج اكتشاف المواهب | أزمة لجان النجوم.. من يحكم على الأصوات؟
مبدئيا، واحدة من أغرب المفارقات التي تستوقفني في برامج اكتشاف المواهب، هي الطريقة التي يجري بها تشكيل لجان التحكيم. فبعض هذه اللجان تضم مغنيين أمضوا سنوات طويلة في الغناء، لكنهم لم ينجحوا بالضرورة في بناء هوية موسيقية واضحة، أو تأسيس مدرسة فنية خاصة، أو تقديم مشروع غنائي متماسك المعالم.
ورغم ذلك، تجد أصحاب هذه التجارب يتصدرون المشهد، ويتحدثون بثقة عن الصواب والخطأ في الغناء، ويوجهون المتسابقين، ويقدمون لهم دروسا في كيفية بناء مشروعاتهم الفنية، وما ينبغي عليهم فعله أو تجنبه.
وهو ما يعيد إلى ذهني المثل الشعبي الشهير: «باب النجار مخلع»! فكيف يمكن لفنان لم يحسم اختياراته الفنية، ولا يزال يتخبط بين اتجاهات موسيقية مختلفة، أن يتحول فجأة إلى مرجعية تمنح الآخرين دروسا في وضوح الرؤية وتحديد الهوية؟.
مثلا مشهد شيرين عبد الوهاب، وهي تتفاعل مع أحد المتسابقين إلى درجة خلع حذائها والضغط به على زر الاختيار، تعبيرا عن شدة تأثرها بالأداء، ثم تأتي الاعتذارات المعتادة، على المشهد رغم أنني لا أرى في واقعة الحذاء نفسها ما يستحق كل هذا الجدل.
لكن المشكلة ليست في الحذاء، وإنما في طبيعة الخلطة التلفزيونية التي تقدم هذه المشاهد باعتبارها مادة للفرجة والاستعراض، بهدف صناعة الجدل وزيادة المشاهدات.
والدليل البسيط أن أغلبنا لا يتذكر اسم المتسابق الذي دفع شيرين إلى هذا التصرف، لكننا نتذكر المشهد جيدا. نتذكر الاستعراض، ولا نتذكر الموهبة التي يفترض أن البرنامج جاء من أجل اكتشافها!.
وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية: هل امتلاك شيرين عبد الوهاب تجربة غنائية ناجحة يمنحها بالضرورة الأهلية لتكون عضوا في لجنة تحكيم مهمتها تقييم المواهب وتوجيهها؟.
من وجهة نظري، الإجابة ليست بهذه البساطة. فشيرين مغنية تمتلك صوتا جميلا، وقدرة واضحة على التعبير عن المشاعر، وحققت شعبية جماهيرية كبيرة، لكن ذلك لا يعفي تجربتها من التساؤل عن مدى وضوح هويتها الموسيقية وقدرتها على إدارة موهبتها.
شيرين بدأت مشوارها الغنائي المعروف مع ألبوم «تامر وشيرين» عام 2002، أي أننا نتحدث عن قرابة ربع قرن من العمل الفني. وخلال هذه السنوات، قدمت ثمانية ألبومات فردية فقط، بمعدل ألبوم كل ثلاث سنوات تقريبا.
لكن الأرقام وحدها ليست القضية، وإنما ما تكشفه عند مقارنتها بتجارب أخرى. فأمير عيد، الذي ظهر أول ألبوم رسمي له مع كايروكي عام 2011، أي بعد ظهور شيرين بنحو عشر سنوات، يمتلك تقريبا العدد نفسه من الألبومات، رغم اختلاف طبيعة المشروعين ومساراتهما الفنية.
والفارق الأهم هنا ليس في عدد الألبومات، وإنما في وضوح الرؤية الموسيقية.
شيرين تمتلك صوتا جميلا، وإحساسا قادرا على الوصول إلى الجمهور، لكن يصعب العثور في مسيرتها على خط موسيقي واضح يربط بين اختياراتها المختلفة. فلا توجد ملامح مستقرة لمشروع يمكن من خلاله تحديد علاقتها بألوان مثل الفلامنكو أو المقسوم، أو تصورها الخاص لتقديم هذه الأنماط، سواء بتأثيرات تركية أو يونانية أو شعبية. كما لا نجد تجربة ممتدة في لون موسيقي بعينه، مثل موسيقى الرقص الإلكترونية EDM، يمكن اعتبارها جزءا أساسيا من هويتها.
على النقيض، يرتكز مشروع أمير عيد مع كايروكي على موسيقى الروك، مع تجارب متعددة في البوست روك، ومزج المقسوم بالروك، وتقديم التراب ضمن قوالب الروك وغيرها من المحاولات. قد تختلف نتائج هذه التجارب، لكنها تنطلق من قاعدة موسيقية واضحة تمنح المشروع هوية يمكن التعرف عليها.
وهذا لا يعني بالضرورة أن أحدهما أفضل من الآخر، وإنما يعني أننا أمام فارق بين امتلاك موهبة صوتية وشعبية جماهيرية، وبين امتلاك مشروع موسيقي له ملامح واتجاه واضحان.
وتزداد المسألة وضوحا عندما نتأمل علاقة شيرين بمن تولوا إدارة اختياراتها الفنية. فعندما تعاونت مع نصر محروس، ظهرت في واحدة من أكثر مراحلها الفنية تميزا، ثم دخلت في فترات من التخبط، قبل أن تتعاون مع حسام حبيب، الذي تولى دورا استشاريا في اختيارات ألبوم «نساي»، وحققت من خلاله نجاحات لافتة، من بينها تصدر قوائم بيلبورد وتحقيق أرقام قياسية في مشوارها.
فنحن لا نتحدث عن فنانة تفتقر إلى الموهبة أو الجماهيرية، بل عن موهبة كان يمكن أن تقدم تجربة أكثر تماسكًا وثراء، لو امتلكت رؤية أكثر استقرارا في إدارة اختياراتها الفنية.
وبالتالي، يصبح السؤال مشروعا: كيف نمنح فنانا لم يحسم بعد ملامح مشروعه الموسيقي، سلطة تحديد ما ينبغي أن يفعله الآخرون، ومن يستحق الاستمرار ومن لا يستحق؟.
المشكلة إذن ليست في شيرين وحدها، وإنما في المعيار الذي تُشكّل على أساسه لجان التحكيم. فنحن نخلط بين الشهرة والخبرة، وبين النجاح الجماهيري والقدرة على اكتشاف المواهب، وبين امتلاك صوت جميل وامتلاك ثقافة موسيقية تسمح بتقييم تجارب مختلفة.
وهذا الخلط يظهر بوضوح في نقاش آخر جمع تامر حسني بكاظم الساهر ونانسي عجرم، حول أهمية التنوع في الفريق الذي يختاره كل فنان.
قد يبدو المشهد، بحماسه وطبيعة النقاش الدائر فيه، وكأننا أمام ورشة لصناعة جيل جديد من الموسيقيين، أو أننا على وشك اكتشاف سيد درويش جديد!، لكن المفارقة أن الجمهور، رغم كل هذا الحماس، لا يتذكر أسماء المتسابقين الذين دار حولهم النقاش، ولا يكاد يحتفظ من المشهد سوى بصورة النجوم الثلاثة وهم يتحدثون عن اختياراتهم.
وبناء على كل ذلك، فالشهرة لا تعني بالضرورة الخبرة، والنجاح في الغناء لا يمنح صاحبه تلقائيا القدرة على اكتشاف النجوم. فالمشكلة ليست في أسماء المحكمين، ولكن في معايير اختيارهم؛ فحين تحل النجومية محل الرؤية الموسيقية، تتحول لجنة التحكيم إلى جزء من العرض الترفيهي، والمؤكد أن مثل هؤلاء جميعًا لا يصلحون كأداة لاكتشاف الموهبة الحقيقية!.