سباعية برامج اكتشاف المواهب | الموهبة الحقيقية أم الحكاية الإنسانية؟
في دراسة بعنوان The Role of Contests and Talent Shows as Part of the Artist Development Process Within the Music Industry، نجد مدخلا مهما لفهم طبيعة برامج اكتشاف المواهب وعلاقتها بصناعة الموسيقى وتطوير الفنان.
تناقش الدراسة التحولات التي شهدتها صناعة الموسيقى خلال العقدين الأخيرين، وكيف أصبحت شركات الإنتاج أقل استعدادا للاستثمار طويل الأجل في تطوير الفنانين، وأكثر ميلا إلى البحث عن نجاح سريع ومضمون، مع تقليل المخاطرة المالية إلى أدنى حد ممكن.
ويعني ذلك أن جزءا كبيرا من مسؤولية بناء الفنان، وتكوين جمهوره، وتحقيق انتشاره، أصبح ملقى على عاتق الفنان نفسه. ومن هنا ظهرت مسابقات الغناء وبرامج اكتشاف المواهب باعتبارها فرصة لتحقيق انتشار سريع، والوصول إلى جمهور واسع، وربما اختصار سنوات من المحاولات في تجربة تلفزيونية واحدة.
لكن الدراسة تطرح سؤالا مهما: هل تسهم هذه المسابقات بالفعل في تطوير الفنان؟ أم أنها مجرد وسيلة لتحقيق الانتشار والمكاسب التجارية؟.
الحقيقة أن الإجابة ليست قاطعة. فالدراسة تشير إلى فوائد يمكن أن تقدمها هذه المسابقات للمشاركين، مثل اكتساب خبرة الوقوف على المسرح، وزيادة الثقة بالنفس، والتعرف إلى أشخاص من داخل الصناعة الموسيقية، والوصول إلى جمهور جديد. لكنها في الوقت نفسه تميز بين المسابقات الفنية المباشرة وبرامج المواهب التلفزيونية، وتلفت الانتباه إلى أن النجاح التجاري للبرنامج لا يعني بالضرورة نجاحه في تطوير الفنان أو صناعة مسيرته، وهنا تبدأ المشكلة التي أريد مناقشتها.
عندما تتحول الموهبة إلى منتج تلفزيوني، يصبح مطلوبا من المتسابق أن يقدم أكثر من مجرد أغنية جيدة. بل يصبح مطلوبا منه أن يمتلك حضورا وشخصية وحكاية تجذب المشاهد، ولحظة مؤثرة تدفع الجمهور إلى التعاطف معه والحديث عنه بعد انتهاء الحلقة.
بمعنى آخر، نحن لا نتابع بالضرورة رحلة اكتشاف صوت جديد، بل نتابع أحيانا حكاية إنسانية متكاملة، تضم حلما وخوفا وانكسارا وأملا ومفاجأة في النهاية، وهذا مفهوم من منظور صناعة التلفزيون؛ فالقصة الإنسانية تخلق ارتباطا عاطفيا بين المشاهد والمتسابق.
ولذلك جاء عنوان المقال: الموهبة الحقيقية أم الحكاية الإنسانية؟، لنأخذ مثالا من أحد مقاطع برامج المواهب، لطفل لم يختره تامر حسني خلال مرحلة الاختبارات. تأثر الطفل بشدة بالرفض، وظهرت عليه علامات الإحباط والانكسار، وكان المشهد مؤثرا، ودفع كثيرين إلى التعاطف معه.
وبعد فترة، تعرض الطفل لأزمة صعبة، فقد خلالها أصابع من يده اليسرى. وهنا ظهر تامر حسني مرة أخرى في المشهد، ووعده بمفاجأة، وكتب منشورات لدعمه، وبدأت وسائل الإعلام في تناول قصته، وأصبح لدى الجمهور سؤال واحد: ماذا سيفعل تامر؟ وما المفاجأة التي وعد بها الطفل؟.
وبالفعل، وفّى تامر بوعده، وظهر الطفل معه على خشبة المسرح في حفل كبير، في لحظة إنسانية حظيت بتفاعل واسع وتعاطف كبير، وهنا قطعا لا نناقش نية تامر حسني، ولا نقلل من قيمة دعمه للطفل أو من الجانب الإنساني في الموقف. بل نؤكد على أن الوفاء بوعده ومساندته لطفل مر بأزمة صعبة تصرف يستحق التقدير.
لكن دعونا نعود إلى السؤال الذي يتعلق بموضوعنا: أين الموهبة في هذه الحكاية؟ وماذا حدث بعد الاختبار الأول؟ وهل نتحدث عن طفل يمتلك مشروعا غنائيا يحتاج إلى التطوير، أم عن قصة إنسانية مؤثرة نجحت في جذب انتباه الجمهور؟.
والأهم من ذلك: هل تعرف الناس إلى الطفل بسبب صوته وقدراته الموسيقية، أم بسبب مشهد رفضه في البرنامج، ثم الأزمة التي تعرض لها، وبعدها وعد تامر حسني والمفاجأة التي قدمها له؟، ولذلك يجب أن نفهم طبيعة العمل التلفزيوني بوصفه صناعة تجارية. فالبرنامج يحتاج إلى المشاهدات، والمشاهدات تجذب الإعلانات، والتصويت يخلق حالة من التفاعل والمشاركة بين الجمهور، وفي بعض صيغ البرامج يمثل مصدر دخل إضافيا من خلال الرسائل المدفوعة.
وكلما ارتبط المشاهد عاطفيا بأحد المتسابقين، وأصبح منتظرا لمعرفة مصيره، زادت فرص مشاركته في متابعة البرنامج والتصويت له والتفاعل مع تفاصيل حكايته.
وبالتالي، لا تصبح القصة الإنسانية مجرد تفصيلة جانبية في بعض البرامج، بل تتحول إلى عنصر أساسي في صناعة المحتوى نفسه. فالمتسابق لا يُطلب منه الغناء فقط، وإنما يُطلب منه أيضا أن يجعل الجمهور يحبه ويتعاطف معه وينتظر ظهوره ويتفاعل مع كل تفصيلة في حياته.
وهكذا تتحول الموهبة من كونها الهدف الأساسي إلى عنصر من عناصر العرض، بينما تصبح القصة الشخصية، في بعض الأحيان، هي العنصر الأكثر حضورا وتأثيرا.
وبالطبع، يمكن أن تستفيد جميع الأطراف بدرجات متفاوتة. فالبرنامج يحصل على محتوى يجذب التفاعل والمشاهدات، والنجم يحصل على مساحة للانتشار والظهور في موقف إنساني يقربه من الجمهور، والمتسابق قد يحصل على فرصة أو دعم أو انتشار لم يكن ليصل إليه بسهولة. ولكن، هل أسهم كل ذلك بالفعل في بناء فنان؟، قطعا لا.
فهناك فرق كبير بين صناعة لحظة مؤثرة وصناعة فنان، وبين اكتساب تعاطف الجمهور مع شخص بسبب حكايته، ودفعه إلى متابعة أغانيه واهتمامه بأعماله وانتظار مشروعه الموسيقي المقبل.
وهذا هو جوهر الأزمة. فقد نخرج من الحلقة ونحن نتذكر الطفل الذي رُفض، أو المتسابق الذي بكى، أو صاحب الحكاية الأصعب، أو اللحظة التي دفعتنا إلى التعاطف معه. لكن هل خرجنا ونحن نتذكر أغنيته، هل تعرفنا إلى ما يقدمه موسيقيا؟، وهل ساعده البرنامج على تحديد هويته الفنية وتطوير أدواته؟.
لأن برامج اكتشاف المواهب يفترض أن تكتشف الفنان، لا أن تكتفي بصناعة الحكاية التي تدفع الجمهور إلى التعاطف معه. فالتعاطف قد يصنع تريندا، والمشهد المؤثر قد يحقق ملايين المشاهدات، لكن أيا منهما لا يكفي لصناعة نجم حقيقي.