صناع المحتوى في مواجهة الصحفيين.. من يملك حق تقييم المهنة؟

وشوشة

في الوقت الذي أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي لاعبًا أساسيًا في تشكيل وعي الجمهور وتوجيه اهتماماته، لم يعد التأثير الإعلامي حكرًا على الصحفيين والإعلاميين، بل ظهر جيل جديد من صناع المحتوى استطاع أن يحجز لنفسه مساحة واسعة في المشهد، ويصل إلى ملايين المتابعين بمحتوى متنوع يجمع بين الترفيه والمعلومات ومناقشة القضايا المجتمعية.

هذا التحول فتح الباب أمام نقاش واسع حول طبيعة العلاقة بين الصحافة وصناعة المحتوى، خاصة مع تزايد المطالب بتنظيم عمل المؤثرين ودمجهم في المنظومة الإعلامية، وهو ما أثار تساؤلات حول حدود كل مهنة، والمعايير التي يجب أن تحكم العمل الإعلامي، وما إذا كان عدد المتابعين والتأثير الرقمي كافيًا لمنح صاحبه صفة إعلامية أو مهنية.

السوشيال ميديا تعيد رسم خريطة الإعلام

لم تعد الصحافة التقليدية وحدها المصدر الذي يلجأ إليه الجمهور للحصول على المعلومات، فقد ساهم انتشار المنصات الرقمية في تغيير طريقة استهلاك الأخبار، وأصبح المستخدم قادرًا على متابعة الأحداث لحظة بلحظة من خلال مقاطع الفيديو والبث المباشر والمنشورات.

ومع هذا التغيير، ظهر صناع محتوى استطاعوا بناء جماهيرية كبيرة بفضل أساليبهم المختلفة وقدرتهم على التواصل المباشر مع المتابعين، حتى أصبح لبعضهم تأثير يتجاوز أحيانًا منصات الإعلام التقليدي، وهو ما جعل وجودهم داخل المشهد الإعلامي أمرًا لا يمكن تجاهله.

لكن هذا الانتشار يطرح تحديًا مهمًا، يتعلق بضرورة التفرقة بين الوصول إلى الجمهور وامتلاك الأدوات المهنية التي تؤهل الشخص لممارسة العمل الصحفي، فالتأثير وحده لا يصنع صحفيًا، كما أن امتلاك أدوات الصحافة لا يعني بالضرورة القدرة على صناعة محتوى جماهيري ناجح.

أين تنتهي صناعة المحتوى وتبدأ الصحافة؟

رغم وجود نقاط مشتركة بين المجالين، فإن لكل منهما طبيعة مختلفة؛ فالصحافة تقوم على البحث والتحقق من المعلومات ومراجعة المصادر والالتزام بالدقة والتوازن، فضلًا عن مراعاة المعايير الأخلاقية والمسؤولية تجاه المجتمع.

أما صناعة المحتوى، فتشمل مجالات متعددة، منها الترفيه والتثقيف والتسويق والتجارب الشخصية، ولا يشترط أن يكون كل صانع محتوى متخصصًا في الصحافة أو الأخبار.

وتظهر المشكلة عندما يتجاوز بعض صناع المحتوى حدود تخصصاتهم، ويبدأون في تقديم معلومات أو تناول قضايا حساسة دون امتلاك الأدوات اللازمة للتحقق منها، وهو ما قد يفتح الباب أمام انتشار الشائعات أو تقديم معلومات مضللة تحت شعار حرية التعبير.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن هناك صناع محتوى يقدمون مواد معرفية وثقافية جادة، ويحرصون على الدقة والاستعانة بالمتخصصين، وهو ما يؤكد أن الحكم على المحتوى يجب أن يرتبط بطبيعته وجودته، وليس فقط بالمنصة التي يُنشر من خلالها.

لماذا يشعر الصحفيون بالقلق؟

يرتبط جانب من الجدل بمخاوف بعض العاملين في الصحافة من تراجع قيمة المعايير المهنية أمام منطق الانتشار السريع، خاصة في ظل منافسة المحتوى الرقمي للوسائل الإعلامية التقليدية على جذب الجمهور والإعلانات.

فالصحفي يقضي وقتًا في البحث والتدقيق والتأكد من صحة المعلومات قبل نشرها، بينما قد يحقق مقطع قصير أو منشور مثير تفاعلًا واسعًا خلال دقائق، حتى وإن لم يستند إلى معلومات دقيقة.

ومن هنا يظهر التخوف من أن يصبح عدد المشاهدات معيارًا للحكم على جودة العمل الإعلامي، وأن تتراجع قيمة الخبرة والتخصص أمام القدرة على جذب الانتباه، فضلًا عن احتمالية الخلط بين الشهرة والاحتراف.

لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي النظر إلى صناع المحتوى باعتبارهم منافسين بالضرورة، فالتطور الرقمي فرض واقعًا جديدًا يحتاج إلى الاستفادة من أدواته، مع الحفاظ على القواعد التي تحمي المهنة والجمهور.

تنظيم المهنة.. حماية أم قيود جديدة؟

مع تزايد أعداد المؤثرين واتساع تأثيرهم، أصبح تنظيم صناعة المحتوى ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، خاصة فيما يتعلق بمسؤولية نشر المعلومات، واحترام الخصوصية، ومواجهة الشائعات، والتمييز بين المحتوى الإعلامي والإعلانات التجارية.

ويظل التحدي الأكبر هو الوصول إلى صيغة تضمن حقوق صناع المحتوى وتنظم طبيعة عملهم، دون الخلط بينهم وبين الصحفيين أو منح مسميات مهنية دون معايير واضحة.

كما أن وجود قواعد تنظيمية لا يعني بالضرورة تقييد الإبداع أو الحد من حرية التعبير، بل يجب أن يستهدف وضع حدود للممارسات الضارة، وتعزيز المسؤولية عن المحتوى المنشور، بما يحقق التوازن بين حرية الإنتاج وحماية المجتمع من التضليل.

التأثير الحقيقي ليس بعدد المتابعين

من أبرز القضايا التي أعاد هذا الجدل طرحها هو مفهوم التأثير نفسه، فهل يقاس النجاح بعدد المتابعين والمشاهدات، أم بقدرة الشخص على تقديم محتوى يضيف إلى الجمهور ويترك أثرًا إيجابيًا؟

فقد يمتلك صانع محتوى ملايين المتابعين، لكنه لا يقدم رسالة حقيقية أو قيمة معرفية، بينما يستطيع آخر الوصول إلى جمهور أقل عددًا، لكنه ينجح في تغيير فكرة أو نشر معلومة مفيدة أو تسليط الضوء على قضية مهمة.

وهنا تبرز أهمية المسؤولية المجتمعية، فكل من يمتلك منصة مؤثرة عليه أن يدرك أن ما ينشره لا يتوقف عند حدود حسابه الشخصي، بل قد يتحول إلى مصدر للمعلومات والتوجيه بالنسبة لقطاع واسع من الجمهور، وهو ما يجعل المصداقية والوعي ضرورة لا تقل أهمية عن الانتشار.

 

شراكة أم صراع على لقب الإعلامي؟

ربما لا تحتاج العلاقة بين الصحفيين وصناع المحتوى إلى مزيد من الصدام بقدر ما تحتاج إلى تحديد واضح للأدوار، فالصحافة تمتلك خبرات تراكمية في جمع المعلومات والتحقق منها، بينما تقدم صناعة المحتوى أدوات حديثة للوصول إلى الجمهور وتبسيط الرسائل وتقديمها بأشكال أكثر تنوعًا.

ومن الممكن أن يتحول اختلاف الخبرات إلى فرصة لتطوير المنظومة الإعلامية، من خلال التعاون في إنتاج محتوى توعوي وثقافي، والاستفادة من قدرات المؤثرين في الوصول إلى الأجيال الجديدة، مع الحفاظ على استقلالية العمل الصحفي وقواعده المهنية.

فالمعركة الحقيقية ليست حول من يستحق لقب الإعلامي أو من يمتلك جمهورًا أكبر، وإنما حول جودة ما يصل إلى الناس، ومدى التزام صاحبه بالمسؤولية والمصداقية.

وفي ظل هذا التداخل المتزايد بين الصحافة وصناعة المحتوى، هل تنجح المنظومة الإعلامية في وضع قواعد عادلة تحفظ حقوق الجميع وتمنع الخلط بين المهن، أم يتحول الصراع على التأثير والانتشار إلى تهديد لمصداقية الإعلام نفسه؟.

تم نسخ الرابط