لست وحدك ولست مكتئبًا.. القراءة الصحيحة لفقدان الشغف
في زحمة الحياة اليومية والتسارع المتزايد لوتيرة المتطلبات المهنية والشخصية، يمر الكثيرون بفتور مفاجئ يصعب تفسيره، حيث تتلاشى الرغبة وتتساوى الأنشطة التي كانت تشكل مصدرًا للإلهام والمتعة.
هذا الشعور الشائع بالانطفاء ليس مجرد كسل عابر، بل هو ظاهرة نفسية وجسدية تستدعي الفهم الدقيق للتعامل معها بوعي.
وفي هذا السياق، قدمت الطبيبة النفسية الدكتورة ماجي الشافعي عبر حسابها الموثق على منصة "إنستغرام" قراءة طبية ونفسية شاملة لطبيعة هذه الحالة، مؤكدة أن فقدان الشغف يعد تجربة إنسانية متكررة لا تعني بالضرورة السقوط في فخ الاكتئاب، بل هي مرحلة مؤقتة يمكن تجاوزها عبر خطوات علمية مدروسة.
ما هو فقدان الشغف وكيف يتشكل؟
توضح الدكتورة ماجي الشافعي أن فقدان الشغف يتجسد في ذلك الشعور المتزايد بأن الأمور والأهداف التي كانت تحظى باهتمام الشغوفين وتستثير حماسهم باتت تحركات عادية، بل ومملة في كثير من الأحيان.
يبدأ هذا الشعور بالتسلل التدريجي حتى يجد الفرد نفسه عاجزًا عن استجماع الطاقة أو الدافع اللازم للبدء في المهام اليومية أو الانخراط في الهوايات المفضلة.
وتتعدد المؤشرات التي توحي بدخول الفرد في هذه الدوامة النفسية؛ إذ تشمل غياب الحماس للأنشطة التي كانت محببة سابقًا، وتزايد معدلات التسويف والمماطلة مع صعوبة شديدة في التركيز.
كما يترافق ذلك مع سيطرة الإحساس بالفراغ والملل طوال الوقت، وغياب الرؤية أو الأهداف الواضحة التي توفر بوصلة التوجيه اليومي.
يضاف إلى ذلك ميل الفرد للوقوع في عقدة المقارنات المستمرة بين إنجازاته وإنجازات الآخرين، مما يولد لديه إحساسًا بالتقصير والنقص.
التفسير العلمي والنفسي لحدوث الظاهرة
تؤكد الدكتورة ماجي الشافعي أن التفسير العلمي لهذه الحالة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكيمياء الدماغ، وتحديدًا بمادة الدوبامين المسؤولة عن تنظيم مشاعر المتعة والمكافأة والتحفيز الذاتي.
فعندما ينخرط الفرد في نمط حياة يعتمد على الروتين المكرر، أو يتلقى ضغوطًا نفسية وجسدية كبيرة، أو يستمر في العمل دون لمس نتائج سريعة وملموسة لجهوده، يبدأ مستوى الدوبامين في الانخفاض بشكل ملحوظ.
هبوط هذه المادة الكيميائية ينعكس مباشرًا على قدرة العقل على استجابة التحفيز، مما يؤدي إلى الشعور بالإنهاك وفقدان الطاقة والطاقة الإيجابية.
وتردد الدكتورة رسالة طمأنة مفادها أن الاستجابة لهذه الحالة تتطلب الوعي بكونها مجرد محطة عابرة وليست نهاية المطاف، كما أنها لا تعني تلقائيًا الإصابة بالاكتئاب المرضي، وبالتالي فإن التفريق بين الإرهاق الذهني المؤقت والاكتئاب هو بداية العلاج.
خطوات عملية لاستعادة التوازن والفاعلية
وللخروج من هذه الحالة، لا تتطلب الاستراتيجية العلاجية قفزات كبرى أو تغييرات جذرية في يوم وليلة، بل تعتمد على مبدأ التدرج الحركي والنفسي.
تبيّن الدكتورة الشافعي أن البداية تبدأ بتبني "خطوة صغيرة جدًا" في مجال أو نشاط كان يحبه الفرد سابقًا، دون وضع توقعات العودة السريعة للسرعة القصوى أو الأداء المثالي.
إن القيام بأقل قدر من الحركة أو الإنجاز اليومي يعمل بمثابة إشارة تنشيطية للمحركات العصبية في الدماغ، مما يساهم في إعادة تحفيز إفراز الدوبامين بالتدريج.
ومع استمرار هذه المحاولات البسيطة وخفض مستوى التوتر والمقارنة، يبدأ الشغف بالتعافي والعودة بطريقة آمنة ومتوازنة.
يبقى الوعي بطبيعة التقلبات النفسية خط دفاع أساسي ضد التوتر الزائد، وفهم أن محركات الشغف تحتاج أحيانًا إلى الاستراحة والتقاط الأنفاس تمامًا كما تحتاج إلى الحركة والإنتاج.


