خبير تكنولوجي يكشف لـ"وشوشة" مخاطر روبوتات الدردشة على الأطفال
يقف العالم اليوم أمام نقطة تحول حاسمة في تنظيم العلاقة بين الأطفال والتكنولوجيا الفائقة، حيث لم تعد المخاطر الرقمية تقتصر على المحتوى غير الأخلاقي أو المحتالين البشريين، بل امتدت لتشمل الخوارزميات ونماذج الذكاء الاصطناعي التي تحاكي العلاقات الإنسانية العاطفية.
وفي خطوة مفصلية تعكس حجم القلق العالمي، وقعت حاكمة ولاية نيويورك الأمريكية، كاثي هوكول، في يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، قانوناً هو الأول من نوعه لفرض قيود صارمة على استخدام الأطفال والمراهقين لروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتي تتظاهر بأنها أصدقاء أو شركاء عاطفيون.
يلزم هذا التشريع الأمريكي الشركات المشغلة لنماذج الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها أدوات مثل "شات جي بي تي"، بالتحقق الدقيق من أعمار المستخدمين وحظر أي خصائص برمجية تجعل التطبيق يقدم نفسه ككائن بشري أو حكي يمتلك مشاعر حقيقية للمستخدمين دون سن الثامنة عشرة.
وفي ظل ردود الفعل المتباينة عالمياً بين ترحيب منظمات حماية الأطفال واعتراض بعض أطراف قطاع التكنولوجيا، يطرح هذا الحدث أسئلة جوهرية حول الآثار النفسية لهذه التقنيات ومدى إمكانية نقل وتطبيق هذه التجارب التشريعية في البيئة العربية والمصرية.
الأبعاد النفسية والسلوكية
أكد الخبير التكنولوجي الدكتور شاكر الجمل، أن التأثير النفسي والاجتماعي للروبوتات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التفاعلية يشكل تهديداً غير مسبوق للنمو الطبيعي للأطفال والمراهقين، بل ويمتد أثره ليشمل البالغين أيضاً، موضحا أن هذا يرجع ذلك إلى آليات المحاكاة البرمجية التي تخدع العاطفة البشرية وتستبدل التفاعل البشري الطبيعي ببدائل آلية محكمة.
الانفصال عن الواقع والتزييف العاطفي
وأوضح شاكر الجمل، خلال تصريحات خاصة لـ وشوشة أن خطورة روبوتات الدردشة تكمن في صياغتها لظاهرة "التزييف العاطفي" والانفصال التام عن الواقع عبر العزلة الاجتماعية الموجهة، وتشويه النضج العاطفي، وازدواجية الشخصية والسلوك العدواني.
المخاطر السلوكية وحالات الانتحار
ولا تقف المخاطر عند حد الانعزال العاطفي، بل تتجاوز ذلك إلى تهديدات مباشرة لحياة الأطفال، حيث سلط الدكتور شاكر الجمل الضوء على تسجيل حالات انتحارية بين القاصرين جراء التعامل مع نماذج تقنية مسجلة، قائلا: “تبدأ هذه البرمجيات بالاستقطاب التدريجي لأفكار الطفل، وتأكيد أوهامه وتدريبه على إيذاء نفسه وتصرفات خطرة في ظل غياب تام للمساءلة الأخلاقية والبروتوكولات النفسية الطارئة داخل هذه الخوارزميات”.
التهديدات السيبرانية واختراق البيانات الحساسة
وعلى الصعيد التقني والأمني، يمثل التفاعل العاطفي للطفل مع روبوتات الدردشة مصدر متدفن للبيانات الضخمة، فحين ينفتح الطفل للآلة متحدثاً عن تفضيلاته، أسراره، حالته الصحية، ومشاعره اليومية، يقوم النظام بإنشاء "ملف رقمي" شامل ومفصل عنه.
التجربة المصرية وقابلية التطبيق:
ورداً على مدى إمكانية تطبيق قوانين مشابهة لقانون نيويورك داخل جمهورية مصر العربية، أكد الدكتور شاكر الجمل أن مصر لديها الجاهزية والإرادة السياسية الكاملة لتفعيل مثل هذه الأطر التشريعية والتقنية لحماية الفضاء الرقمي للأطفال، واستند القابلية المصرية لتطبيق هذه التشريعات إلى مقومات رئيسية وهي، الاهتمام الرئاسي المباشر من فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، حيث يقع ملف التكنولوجيا والتحول الرقمي وأمن الفضاء السيبراني على رأس أولويات القيادة السياسية المصرية، مع متابعة حثيثة للنماذج الدولية المتقدمة، كما استشهد بالتوجهات الدولية الحازمة، مثل تجربة أستراليا في حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال من سن 11 إلى 15 سنة، مشيراً إلى أن مصر تدرس وتتابع هذه القوانين الدولية لحماية أطفالها.
التحديات التنفيذية والسيادة الرقمية
رغم الجاهزية، تواجه عملية تطبيق مثل هذه التشريعات تحديات تنموية وتقنية مثل صعوبة التحقق التقني من السن، والسيادة الرقمية للمؤسسات، موازنة الحماية مع التطور المهاراتي، ووجود إطار للحماية الشاملة، كما أن حماية الأطفال والسيادة الرقمية للمجتمع لا يمكن أن تتحقق بالتشريعات القانونية وحدها، بل تتطلب منظومة حماية شاملة تتكامل فيها الأدوات التقنية مع الوعي الأسري.
خط الدفاع التقني
ويرى الدكتور شاكر الجمل أنه من الناحية التقنية، يمكن لكل أسرة مصرية إنشاء خط دفاع مباشر عبر تفعيل أدوات التحكم الأبوي المدمجة في أجهزة "الراوتر" المنزلي، لتمكن هذه الأدوات الوالدين من التحكم في طبيعة المحتوى والتطبيقات التي يصل إليها الطفل، ومنع الاتصال بالسيرفرات والمواقع التي تشغل روبوتات الدردشة غير المفلترة، وحماية البيانات الشخصية والأموال الخاصة بالأسرة من الاختراقات السيبرانية.
الرقابة الواعية وسد الحرمان العاطفي
وفي السياق ذاته، تبقى التوعية الأسرية هي الرككزة الأساسية؛ فالطفل لا يلجأ إلى "البديل الآلي" إلا عندما يجد فيه تعويضاً عن الحرمان الأسري أو غياب التواصل الإنساني داخل المنزل، لذا فإن الدور المطلوب من الأب والأم يتلخص في التثقيف الرقمي المستمر ومعرفة خطورة ترك الطفل بمفرده لفترات طويلة مع روبوتات الدردشة، ووجود البديل والتفاعل الإنساني أي توفير بيئة أسرية دافئة تمنع الطفل من البحث عن الاستجابة العاطفية لدى الخوارزميات، فضلا عن المتابعة الواعية لبناء جسور الثقة لملاحظة أي تغير سلوكي أو عدوانية مبكرة قد تظهر على الطفل.



