من «طريق الأربعين» إلى «قلم العتق».. القصة الحقيقية للعبودية في مصر القرن الـ19
أثار فيلم "أسد" منذ إصداره ضجة إعلامية واسعة، لعدة أسباب كان منها تصريحات الفنان محمد رمضان حول تعمد بعض الدور السينمائية منعه من العرض، ثم كذلك القصة التي تناولت ثورة واحد من العبيد – أسد - في مصر القرن التاسع عشر، وإن لم يحدد الفيلم من هو حاكم مصر في ذلك الوقت.
وعلى الرغم من الإنتاج الفني الضخم، والميزانية الهائلة للفيلم، وتلقي الفيلم إشادات كثيرة وانتقادات كثيرة كذلك، إلا أننا نستطيع أن نلقي الضوء على قضية تاريخية أثارها الفيلم، وخلق حوار مجتمعي كبير ما بين مشكك في النوايا ومعارض ومؤيد. ألا وهي "تاريخ العبودية في مصر".
والحقيقة أنه على الرغم من مرور حوالي 150 سنة على انتهاء العبودية في مصر، إلا أن القضية لازالت مطروحة ومترددة لليوم، باعتبارها تمس الهوية القومية في ذاته.
الرؤية الغربية وإدوارد سعيد
تكمن خطورة فرضية الفيلسوف الأمريكي الفلسطيني إدوارد سعيد عن "الاستشراق" في تعريفنا لأنفسنا بمصطلحات الغرب، والنظر لذواتها بأعينهم، وهو ما ينطوي على أشياء سلبية كثيرة، قد تصل إلى احتقار النفس.
وفي قضية مثل قضية العبيد في مصر، ينظر فيلم أسد نظرة غربية إلى العبيد في مصر، وكأنهم مجموعة من العبيد في حقول القطن في الولايات المتحدة الأمريكية إبان الحرب الأهلية، وكأنه لا يوجد سردية أخرى يمكن أن يرويها التاريخ المصري غير هذه السردية.
وهو فخ سقط فيه الفيلم بشكل كبير، بحبكة تشبه حبكات الأفلام الأمريكية عند بطل يتم أسره في مجاهل أفريقيا، ويأتي البلد المضيفة له على سفن القراصنة وتجار الرقيق، ثم يتعرض لظلم المجتمع وسيده، ولا يحن عليه إلا فتاة واحدة، فيحبها ويقوم بثورة مع زملاءه العبيد.
يخطئ الفيلم في أول مشاهده إذ يظهر تجار العبيد الذين يخطفون الطفل أسد من الإنجليز، يأخذونها على سفينة، ويضعونه في قبوها، حتى يصل مصر، متجاهلين أشهر الطرق بين مصر والسودان "طريق الأربعين"، الذي كانت تأخذه قافلة العبيد، وهو طريق بري تقطعه القوافل في أربعين يوم من السودان لصعيد مصر، حيث يكون الجلابة أو تجار العبيد إما من السودان نفسه أو من الصعيد. فلا دخل لتجار العبيد البيض هنا، فهذه ليست أفريقيا الغربية بطبيعة الحال.
فما الذي تحمله قصة عبيد مصر من حقائق؟ وهل تتشابه سردية التاريخ المصري عن العبودية، بسرديات أخرى كهايتي أو الجنوب الأمريكي على سبيل المثال؟.
مفهوم المجتمع المصري عن العبودية
لا شك أن مفهوم العبودية في مصر، لم ينفصل عن مفهوم العبودية الإسلامي بأي شكل من الأشكال، حيث خضع هؤلاء العبيد وأسيادهم في النهاية للشريعة الإسلامية، وعلى الرغم من أن الإسلام لم يلغ العبودية، لكنه في الوقت نفسه وضع ضوابط شرعية له، فجعل على سبيل المثال من عتق الرقبة كفارة للمسلمين، ثم إنه منع بيع الوليد بعيدا عن أمه، ثم أنه فرض على السيد الذي ينجب من أمته عدم البيع، بل إننا أنها ترتقي إلى مرقى الزوجة في الأسرة.
وقد شاهدنا ذلك في مستودات محمد علي، ومستولدات السلاطين العثمانين ككل.. هذا الضبط التشريعي جعل صورة العبودية الشرقية تختلف تمام الاختلاف عن العبودية الغربية، وهو ما كان سهل على الرحالة ملاحظته بلا شك.
أحوال العبيد في مصر
منذ بداية القرن التاسع عشر، ورحيل الحملة الفرنسية، ومصر واحدة من أهم محطات الرحالة والمستشرقين الغرب، خاصة الفرنسيين والإنجليز، ولكن يمكننا حصر أهم ما كتب عن مصر في تلك الفترة في مؤلفين، الأول هو كتاب وصف مصر الشهير لعلماء الحملة الفرنسية، والثاني هو "عادات المصريون المحدثون" لإدوارد وليام لين.
فماذا يقول كتاب وصف مصر؟
يشير كتاب وصف مصر إلى إشارة لطيفة جدَا إلى أن ملاك الأراضي "الملتزمين" لا يستخدمون في فلاحة أرضهم العبيد، لسبب بسيط، أن استخدام العبد في فلاحة أرضه سيكلفه أكثر ما يكلف استخدام فلاح.
هذه العبارة على بساطتها ولكنها تعطي فكرة ما هامة، أن مجتمع بالكامل أغلبه من الفلاحين كان يعامل معاملة أسوء من العبيد، في ظروف اجتماعية أقصى.. نحن هنا نتحدث عن مجتمع يصل عدد سكانه إلى 2 مليون نسمة، يبلغ سكان عاصمته 200 ألف نسمة، بينما الأغلبية من الفلاحين من وجه بحري إلى الوجه القبلي.
في كتابه الشهير عادات المصريون المحدثون، يقول لين أن العبد في الأسرة المصرية كان أشبه ما يكون بواحد من أفراد الأسرة، فهو يعامل نفس المعاملة، ولديه الكثير من الحقوق التي تتفوق على الكثير من حقوق الخدم، الذين كان يفضلهم البعض – كذلك – لأنهم أقل استهلاكًا للمال والموارد.
فعلى السيد لعبده الكثير من الواجبات، منها كسوته صيفا وشتاءا، واطعامه، وعيدية العيد، وغيرها من الأمور المسلم بها في ذلك المجتمع.
هذه المعاملة للعبيد جعلت أغلب الرحالة الأوربيون يبدأون كلامهم عن العبودية في مصر بعبارة تشبه الديباجة من كثرة تكرارها: لا يجب أن يفهم من كلمة عبودية في مصر نفس ذات المعنى الذي تثيره الكلمة في مجتمعاتنا".
العبودية في التراث اللغوي
يخبرنا الشيخ محمد عياد الطنطاوي في كتابه عن اللغة العربية العامية، أن العوام انتشر على لسانهم مثل ساخر يقول: عبد غيرك سيد زيك، أي أن العبودية كانت علاقة عبد بسيده، وليست نظامًا اجتماعيًا شاملًا ، فالعبد لا يأتمر بأمر أي انسان غير سيده ولا يعمل إلا له، ولهذا يحصل منه على المنافع، ولا يستطيع أي شخص آخر أن يملي عليه إرادته.
تحرير العبيد
كان الخديو إسماعيل يرى نفسه حاكمًا متنورًا، صحيح أنه يحكم بلدا شرقية، ولكنه لا يرى نفسه حاكمًا شرقيًا، فالرجل كان متأثرًا بدرجة كبيرة بالغرب، خاصة الفرنسيون، بدرجة تجعله يستهدف تحرير العبيد – لا لأنه أمر لا إنساني ولكن – لأنه كان يريد أن تتداول الجرائد الغربية أن هذا الحاكم الشرقي المتنور قد جعل مصر بقعة من أوروبا.
ألغى الخديو إسماعيل تجارة الرقيق بضربة واحدة، عن طريق مجموعة من التشريعات المتلاحقة، وبتأسيسه ما سمي "قلم عتق الرقيق"، قلد فيها الطريقة الغربية في تحرير العبيد، فأقام ما يسمى "مكاتب عتق الرقيق" في كل أنحاء مصر، تقتصر مهمة هذه المكاتب على إعطاء ورقة العتق "العتاقة" – كما يسميها يعقوب صنوع في أحد مسرحياته – لأي عبد يذهب ويطلبها، ويكون بها العبد حرًا رغم أنف سيده.
هذه الإجراءات رغم أنها كانت تبدو متنورة، إلا أنها صنعت أزمة اجتماعية كبيرة امتدت لما بعد عصر إسماعيل ما يقارب من خمسين عامًا، لأنها جعلت الآلاف من الرقيق الذين لم يتعلموا حرفة منذ الصغر، ولا تعلموا القراءة أو الكتابة – رجالا ونساءا - في الشارع عاطلون عن العمل، دون توفير مؤسسات تقوم على رعايتهم، وهو ما جعل أغلب هؤلاء يواجهون مجتمعًا لا يستطيعون فيه كسب لقمة العيش إلا بالطرق غير الشرعية، فبعض الجواري سلكن طريق الفاحشة والدعارة وغصت بهم البيوت المشبوهة في منطقة "وش البركة" بالقاهرة أو حتى في الصعيد، وجعلت العديد من الرجال "شيوخ منسر"، ولصوص.
تحمل مجلة الأستاذ الساخرة التي أطلقها عبد الله النديم التي صدرت في 1892 إلى 1893، شهادة معاصرة عن ما كان يدور في رأس العبيد المعتقين في ذلك الوقت، فيقول على لسان جارية: "أنا عارفة يا اخويا يا ريتنا فضلنا عند أسيادنا كنا قاعدين مبسوطين ناكل ونشرب وننكسي أربعة وعشرين قيراط..".
وتضيف: "أنا كنت عند ستي زي بنتها، وكان سيدي إذا جه يضربني تتخانق وياه وتخبيني منه، وكان إيدي بإيدها في الأكل والشرب.. "، وتعلق على وضعها عندما اعتقت، فتحولت لخادمة:" احنا كل يوم سيد، الواحدة منا تخدم عند دا جمعة، وعند التاني شهر، ودايرة من بيت لبيت، من بيت بك لبيت أفندي لبيت خواجة لبيت شيخ، يعني الإنسان داير ملطمة وكمان بيرضى بالأمور اللي ميصحش الكلام فيها.." فيعلق محدثها: "بقا على كدة كنت تحبي الرق ولا تحبيش الحرية".
شهادة أخرى متأخرة تأتي على لسان الكاتب والروائي عبد الحميد جودة السحار في مذكراته، إذ يقول أنه كان يعيش معهم جارية عجوز من زمن جده، كانت تعيش معهم إلى اليوم الذي حدث بينها وبين أمه خلاف، فأصرت على ترك البيت، ولكنه يذكر بعد ذلك أنها في زيارة القرافة، قابلتهم، وطلبت من أمه أن تعود مرة أخرى للبيت.
ثورات العبيد على تحريرهم
الحقيقة أن وجود مثل هذا النظام الاجتماعي الراسخ في المجتمع المصري والسوداني – باعتبار أن السودان كانت جزء من مصر – في القرن التاسع عشر كفل وجود استقرار ما، كان الغالبية العظمى لا يريدون تغييره، بما في ذلك العبيد أنفسهم.
وتذكر العديد من المراجع عدد من الثورات منها ثورة في الصعيد اشتعلت ضد الخديوي إسماعيل شارك فيها العبيد بقوة ضد تشريعاته الخاصة بهم، بالإضافة إلى الإجراءات الاقتصادية التي ضغط بها إسماعيل المجتمع المصري بسبب الديون.
ولكن أكبر هذه الثورات هي الثورة التي اشتعلت في السودان في عصر إسماعيل وامتد إلى عصر الخديو توفيق، إذا تذكر المراجع أن أكبر معارضة جاءت تجار الرقيق في السودان وساندها فيها عبيدهم، مما أدى إلى اشتعال إضرابات كبيرة بدت في شرق السودان وانتهت في عام 1885 بعد سقوط الخرطوم في أيدي المهدية.
واحد من هؤلاء المتضررين من التشريعات المصرية كان عثمان دقنة، تاجر الرقيق الذي يملك ثروة كبيرة، وقد اضطرت هذه التشريعات بعمله، فاستعان بعبيده الذين كانوا مرتضيين هذا النظام الاجتماعي القائم، وانضم إلى محمد أحمد المهدي، في ثورته ضد الحكم المصري – التركي، والذي كان واحد من أهم مطالبه إعادة تجارة الرقيق مرة أخرى، بعد أن كان قد تم تجفيف منابعها طوال عشر سنوات ماضية.
رأى المهدي، وأعوانه أن إلغاء تجارة الرقيق هو واحد من التأثيرات الغربية، حيث أن الإسلام كان قد أقره في مكانه، فلماذا يخلخل الخديوي الأرضية الاجتماعية الثابتة بقراراته؟
عندما أرسلت الحكومة المصرية جوردون، الضابط الإنجليزي، كحاكم للخرطوم، من أجل تهدئة الثورة المشتعلة، كان أول قراراته محاولا استرضاء الدراويش – الذين كان الكثير منهم عبيد – هو إعادة إباحة تجارة الرقيق مرة أخرى، ولكن هذا ما كان ينفع بعد أن اشتعلت الثورة، وانتهى الأمر بمقتل جوردون نفسه والسيطرة على أغلب السودان وإعادة هذه التجارة مرة أخرى، وهو ما لم ينته إلا بعد الدخول المصري الإنجليزي للسودان مرة أخرى في عام 1900.
كلمة أخيرة
يجب أن نؤكد أن العبودية هي جريمة تاريخية، نحمد الله انها انتهت في العالم، فلا يوجد أقبح من أن يستعبد إنسانا ما أخيه الإنسان، ولا شك أن العبودية في مصر لم تكن زاهية براقة، ولكن بالتأكيد لم تكن مثل مثيلتها في الغرب الأوروبي أو الأمريكي، وعليه فإنه يجب فهم كل مجتمع وسرديته الخاصة عن شيء قد يبدوا متشابها، ولكنه غير متطابق فتصبح وسائل إصلاحه بطرق خارجة عنه سببًا لحدوث الكثير من المآسي.