السينما بتحكي تاريخ.. كيف تحول "المستحيل" من فيلم مثير للجدل إلى علامة سينمائية؟

فيلم المستحيل
فيلم "المستحيل"

في ظل الحنين المتزايد لدى الجمهور إلى أفلام الزمن الجميل، تعود الأعمال السينمائية التي ناقشت قضايا الإنسان والمجتمع لتحتل مكانة خاصة في الذاكرة، خاصة تلك التي تجاوزت حدود الحكايات التقليدية وطرحت أسئلة فلسفية عن الحرية والاختيار والبحث عن الذات فقد استطاعت السينما المصرية أن تقدم أعمالًا لم تكتفِ برصد الواقع، بل غاصت في أعماق النفس البشرية، لتظل حاضرة في وجدان المشاهدين حتى بعد مرور عقود على عرضها.

وفي هذا السياق، يرصد لكم "وشوشة" في السطور التالية حكايات من تاريخ السينما المصرية، ونستعيد من خلالها أبرز الأفلام التي ناقشت قضايا إنسانية واجتماعية تركت أثرًا في الجمهور والنقاد، تكشف عن محطات مهمة في مسيرة الفن المصري.

وحكاية اليوم عن فيلم "المستحيل"، الذي عرض عام 1965، وقدم تجربة سينمائية مختلفة ناقشت صراع الإنسان مع القيود التي يفرضها عليه الآخرون، وحرصه على امتلاك قراره، حتى لو اكتشف في النهاية أن التحرر من الماضي ليس بالأمر السهل.

يعد فيلم "المستحيل" من الأعمال التي احتلت مكانة بارزة في تاريخ السينما المصرية، إذ اختير ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخها، وجاء في المركز الـ62.

 والعمل مأخوذ عن قصة للدكتور مصطفى محمود، الذي اشترى أول سيارة في حياته من عائد بيع الرواية، بينما كتب السيناريو والحوار يوسف فرانسيس، وتولى حسين كمال إخراجه في أولى تجاربه السينمائية الطويلة.

وشارك في بطولة الفيلم عدد من الفنانين، من بينهم نادية لطفي وكمال الشناوي وصلاح منصور وسناء جميل وكريمة مختار، وقدم العمل معالجة نفسية وفلسفية لقضية حرية الإنسان في مواجهة السلطة الأسرية والتقاليد الاجتماعية.

وتدور أحداث الفيلم حول حلمي، الشاب ضعيف الشخصية الذي اعتاد الخضوع لسيطرة والده، حتى في القرارات المصيرية المتعلقة بحياته الخاصة، إذ اختار له زوجته وأجبره على قبول هذا الزواج، ليجد نفسه محاصرًا في حياة لم يخترها بإرادته.

وبعد وفاة والده، يحاول حلمي التخلص من تأثيره واستعادة حقه في اتخاذ قراراته بنفسه، فيبدأ رحلة البحث عن ذاته، وتكون أولى خطواته الارتباط بناني، الشابة الرقيقة التي تعيش بدورها ظروفًا صعبة، قبل أن يتعرف على فاطمة، المحامية التي تقدم نفسها باعتبارها امرأة متحررة ومثقفة، وانفصلت عن زوجها بدعوى تمسكه بأفكار قديمة لا تناسب رؤيتها للحياة.

ومع تطور الأحداث، يجد حلمي نفسه في مواجهة اختيارات جديدة لا تقل تعقيدًا عن حياته السابقة، إذ يكتشف أن مجرد التمرد على الماضي لا يعني بالضرورة الوصول إلى السعادة أو الاستقرار وفي النهاية، يعود إلى زوجته الأولى، وكأنه يستسلم للواقع الذي حاول الهروب منه، معترفًا بأخطائه في رحلة البحث عن الحرية.

وقدم كمال الشناوي في "المستحيل" أداءً لافتًا من خلال شخصية حلمي، الرجل الذي يبدو عاجزًا عن اتخاذ قراراته بصورة مستقلة، بعدما اعتاد أن يترك للآخرين تحديد مسار حياته. 

وجاءت الشخصية بعيدة عن أدوار البطولة التقليدية التي تعتمد على القوة والحسم، إذ ارتكزت على التردد والصراع الداخلي والشعور بالاغتراب.

ولم يعتمد الفيلم على الأحداث المتلاحقة أو الإثارة التقليدية بقدر ما ركز على التفاصيل النفسية وتعبيرات الوجوه وحركة الكاميرا، لتصبح الصورة وسيلة أساسية في الكشف عن حالة البطل الداخلية، وما يعيشه من ضغوط وتناقضات.

وجسدت نادية لطفي شخصية ناني، المرأة التي تتزوج من زوج أختها بعد وفاتها، وتعيش في ظروف تجعلها أقرب إلى الاستسلام لما يفرضه عليها الواقع وعندما تلتقي بحلمي، تجد بينهما تقاربًا نابعًا من تشابه الظروف والشعور بأن كليهما لم يمتلك حرية اختيار حياته بالكامل.

لكن العلاقة لا تنتهي كما يتوقعان، إذ يقرر حلمي العودة إلى زوجته الأولى، لتبقى ناني واحدة من المحطات التي مر بها خلال محاولته إعادة اكتشاف نفسه. 

وتحدثت نادية لطفي عن استفادتها من العمل أمام الفنانة سناء جميل، مؤكدة أن الوقوف أمام فنانة تمتلك هذه الخبرة أضاف إليها الكثير، وأنها تعلمت منها جوانب مهمة في الأداء والتمثيل.

ولم تكن رحلة الفيلم سهلة في بدايتها، إذ واجه المخرج حسين كمال رد فعل صادمًا خلال العرض الأول للعمل فبحسب روايته عن تلك التجربة، ذهب إلى إحدى دور العرض في حي السيدة زينب لمتابعة ردود أفعال الجمهور، لكنه فوجئ بمشاهدين يحطمون المقاعد عقب مشاهدة الفيلم.

وقال حسين كمال إنه خرج من السينما محبطًا، وانهمر في البكاء بعدما شاهد ما حدث، لكنه لم يفقد الأمل في قدرته على تقديم أعمال تصل إلى الجمهور، وبدأ يفكر في الأسباب التي دفعت المشاهدين إلى رفض التجربة بهذه الصورة.

ومع مرور السنوات، واصل المخرج تقديم أعمال سينمائية أخرى، من بينها "البوسطجي"، قبل أن تتغير النظرة إلى "المستحيل"، ويصبح واحدًا من الأفلام التي استعاد النقاد والجمهور قيمتها الفنية، باعتباره تجربة مختلفة في معالجة الشخصيات والقضايا النفسية.

وأثار "المستحيل" نقاشًا بسبب طبيعة الموضوعات التي طرحها، وفي مقدمتها حرية الإرادة والاغتراب والبحث عن الذات، وهي قضايا قدمها العمل من خلال بناء نفسي وفلسفي لم يكن مألوفًا لدى قطاع من جمهور السينما في الستينيات.

وانقسمت الآراء حول الفيلم بين من رأى فيه تجربة فنية متقدمة على زمنها، ومن اعتبره عملًا معقدًا يصعب على المشاهد العادي التفاعل معه بسهولة.

 ولم يكن الخلاف مرتبطًا بالأحداث وحدها، بل بطريقة تقديمها أيضًا، إذ ابتعد الفيلم عن السرد المباشر، وترك مساحة للتأويل وفهم دوافع الشخصيات وصراعاتها.

وبذلك تحول العمل إلى نموذج للأفلام التي لا تقدم إجابات جاهزة، وإنما تطرح أسئلة حول طبيعة الحرية، وحدود تأثير الأسرة والمجتمع، وقدرة الإنسان على تغيير حياته بعدما تشكلت شخصيته تحت وطأة الآخرين.

ومثل الفيلم نقطة مهمة في بداية مشوار حسين كمال السينمائي، إذ استعان بخبراته الفنية التي اكتسبها من الدراسة والعمل في التلفزيون، وقدم رؤية اعتمدت على تكوين الكادر وتوظيف الضوء والظل، إلى جانب إبراز تعبيرات الممثلين باعتبارها جزءًا أساسيًا من الحكاية.

وساهم مدير التصوير عبد العزيز فهمي في ترجمة الرؤية البصرية للعمل، الذي جرى تصوير جانب كبير من أحداثه داخل شقق سكنية ومكاتب ومحاكم وشوارع القاهرة. 

وجاءت هذه الأماكن المغلقة لتنسجم مع حالة الحصار النفسي التي يعيشها البطل، وتعكس القيود التي تحيط به حتى عندما يحاول الانفلات منها.

ومع أفلامه الأولى، ومن بينها "المستحيل" و"البوسطجي" و"شيء من الخوف"، بدأ حسين كمال يرسخ أسلوبًا سينمائيًا مختلفًا، جمع بين الاهتمام بالصورة والعمق الدرامي، وفتح مساحة لتناول موضوعات اجتماعية ونفسية بطرق غير تقليدية.

وتكمن أهمية الفيلم في أنه لم يتعامل مع الحرية باعتبارها قرارًا بسيطًا يمكن اتخاذه في لحظة، بل قدمها بوصفها رحلة شاقة تتداخل فيها التربية والخوف والعادات والاحتياجات العاطفية.

فحلمي، رغم محاولاته التخلص من سيطرة والده، لم يتمكن بسهولة من بناء شخصية مستقلة، كما لم تمنحه علاقاته الجديدة الإجابات التي كان يبحث عنها.

ومن هنا، يطرح العمل فكرة أن التحرر من القيود الخارجية لا يضمن وحده الوصول إلى السعادة، وأن الثقافة أو التمرد على الواقع لا يكفيان إذا لم يصاحبهما وعي حقيقي بالذات والقدرة على تحمل نتائج الاختيار.

ورغم ردود الفعل التي صاحبت عرضه الأول، احتفظ "المستحيل" بمكانته باعتباره أحد الأعمال الجادة التي ساهمت في تطوير لغة السينما المصرية، وأثبت أن الفيلم قد يواجه صعوبة في الوصول إلى جمهوره وقت عرضه، ثم يجد تقديره الحقيقي مع مرور الزمن.

تم نسخ الرابط