حكاوي زمان.. فايزة أحمد من زواج في سن الـ13 إلى حب محمد سلطان ورحلة النهاية المؤلمة

فايزة أحمد
فايزة أحمد

رغم مرور السنين، وتغير الملامح، وتطور الحياة، يظل القلب معلقًا بتلك الأيام التي رحلت، بزمن كانت فيه البساطة عنوانًا لكل شيء، وكانت الضحكة تخرج من القلب دون تكلف، وكانت حكايات الفن تروى على مهل وتصنع بصدق، نشتاق إلى تلك الأيام وكأنها وطن يسكن الذاكرة، نستعيده في الأغاني القديمة، ومشاهد الأبيض والأسود، وحكايات النجوم الذين رحلوا بأجسادهم، لكنهم بقوا بأعمالهم ومحبة الجمهور لهم.

ومن هذا الحنين، يأخذكم "وشوشة" كل أسبوع في رحلة جديدة عبر سلسلة "حكاوي زمان"، لنفتح معًا صفحات من تاريخ الفن، ونستعيد مواقف إنسانية صنعتها عفوية النجوم، وحكايات كشفت جوانب مختلفة من حياة نجوم الزمن الجميل، وبقيت شاهدة على زمن لم تتكرر تفاصيله.

وحكاية اليوم عن الفنانة فايزة أحمد، صاحبة الصوت الاستثنائي الذي جعل الموسيقار محمد عبد الوهاب يصفه بأنه "مثل الألماس غير قابل للكسر"، والتي قدمت على مدار مشوارها الفني مجموعة كبيرة من الأغنيات التي ما زالت حاضرة في وجدان الجمهور حتى اليوم.

قدمت فايزة أحمد ألوانًا مختلفة من الغناء، ونجحت في الوصول إلى قلوب مختلف الأجيال، فارتبط اسمها بأغنية "ست الحبايب"، التي أصبحت واحدة من أشهر الأغنيات التي تحتفي بالأم، إلى جانب "يا ما القمر على الباب"، و"بيت العز يا بيتنا"، و"تعالى لي يا با"، وغيرها من الأعمال التي رسخت مكانتها كواحدة من أهم الأصوات في تاريخ الغناء العربي.

ورغم النجاح الكبير الذي حققته فايزة أحمد على المستوى الفني، فإن حياتها الخاصة حملت الكثير من الأزمات والتجارب الصعبة، ولم تعرف الاستقرار الحقيقي إلا خلال سنوات زواجها من الموسيقار محمد سلطان، والتي وصفتها بأنها أهدأ وأجمل سنوات حياتها.

بدأت معاناة فايزة أحمد في سن صغيرة للغاية، حيث كانت في الثالثة عشرة من عمرها، وتعيش حياة بسيطة كأي فتاة في عمرها، قبل أن تتغير حياتها بعد تقدم أحد الأشخاص للزواج منها، بعدما استطاع إقناع أسرتها بأنه رجل ثري وقادر على توفير حياة مرفهة لها.

وافقت الأسرة على الزواج، ولم يكن لفايزة في ذلك الوقت مساحة كبيرة للاعتراض أو اتخاذ القرار، لتترك المدرسة وتنتقل إلى بيت الزوجية وهي لا تزال طفلة، قبل أن تكتشف بعد فترة قصيرة حقيقة الرجل الذي تزوجته.

وبعد أسابيع قليلة، بدأت فايزة تشعر بأعراض الحمل، بينما ظهر الزوج في البداية بصورة الرجل الحنون الذي يرعاها، لكن سرعان ما انكشفت أمام الأسرة تفاصيل صادمة عن حياته السابقة، لتقرر عائلتها طلب الطلاق منه.

لم تكن الصدمة في الزواج المبكر وحده، وإنما اكتشفت الأسرة أن الزوج كان قد تزوج مرات عديدة من قبل، وأن زواجه من فايزة لم يكن قائمًا على مشاعر حقيقية، وإنما ارتبط بشكل أساسي برغبته في الاستفادة من صوتها، بعدما أدرك أنها تمتلك موهبة غنائية يمكن أن تحقق له مكاسب مادية.

وبعد انتهاء هذه الزيجة، وجدت فايزة نفسها أمام مسؤولية تربية ابنتها، كما دخلت في خلافات مع زوجها السابق الذي حاول تهديدها والمطالبة بحقوق مرتبطة بابنتهما، خاصة بعد أن أصبحت فايزة واحدة من الأسماء المعروفة وبدأت تحقق نجاحًا ماديًا كبيرًا.

ورغم الخلافات، كانت فايزة حريصة على عدم تحويل الأمر إلى أزمة تؤثر على ابنتها، فكانت تمنحه المال أحيانًا بدافع الشفقة عليه باعتباره والد ابنتها، قبل أن تقرر أسرتها التدخل بعدما استمرت مطالبه وتهديداته.

ووصل الأمر إلى أزمة أخرى عندما أرادت فايزة اصطحاب ابنتها إلى مصر لاستكمال تعليمها، إلا أن خلافًا نشب بينها وبين والد الطفلة، وتطورت الأزمة إلى اتهامها بمحاولة اختطاف ابنتها ومنعها من السفر، قبل أن تثبت فايزة أن ابنتها كانت لا تزال في مدرستها بلبنان، لتنتهي الأزمة وتتمكن من المغادرة.

وبعد هذه التجارب القاسية، جاءت زيجة أخرى في حياة فايزة أحمد، لكنها لم تكن أفضل من سابقتها، إذ تزوجت من ضابط مرور يصغرها بأكثر من عشر سنوات، رغم أن الظروف المحيطة بالزواج لم تكن تبشر باستقراره.

وتحولت الحياة الزوجية إلى معاناة، بعدما تعرضت فايزة للإهانة والاعتداء، ووصل الأمر إلى موقف شديد الخطورة كاد يعرض حياتها وحياة ابنتها للخطر، لتقرر في النهاية إنهاء الزواج.

ولم ينته الأمر بسهولة، إذ واجهت فايزة ضغوطًا وطلبات مادية من زوجها حتى تنتهي العلاقة، واضطرت إلى دفع مبلغ مالي كبير والتنازل عن سيارتها، لتنتهي الزيجة بعد خسائر مادية ونفسية تركت أثرًا بالغًا عليها.

وفي المقابل، كانت علاقة فايزة أحمد بمحمد سلطان مختلفة تمامًا، إذ بدأت بينهما علاقة فنية قبل الزواج، عندما تعامل معها باعتباره ملحنًا وهي مطربة تبحث عن أعمال جديدة، فغنت من ألحانه "أؤمر يا قمر"، وكانت هذه التجربة نقطة مهمة في مسيرته الفنية.

ومع مرور الوقت، تطورت العلاقة الفنية إلى قصة حب وزواج، وأصبح محمد سلطان شريك حياتها وأحد أكثر الأشخاص قربًا منها، وعاشا معًا سنوات طويلة، أنجبا خلالها أبناءهما، وارتبط اسماهما بالعديد من الأعمال الفنية الناجحة.

وكان محمد سلطان يعتبر فايزة أحمد شريكة حياته فنيًا وإنسانيًا، وظلت تجربتهما واحدة من العلاقات التي جمعت بين الحب والعمل والإبداع، حتى بعد انتهاء زواجهما بالانفصال.

ورغم الانفصال، لم تتخلَّ العلاقة الإنسانية بينهما، خاصة عندما أصيبت فايزة أحمد بالمرض، حيث عاد محمد سلطان إلى جانبها ووقف معها خلال فترة علاجها، وظل قريبًا منها في أيامها الأخيرة.

وفي سنواتها الأخيرة، خاضت فايزة أحمد رحلة علاج قاسية بعد إصابتها بالسرطان، وسافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية بحثًا عن العلاج، قبل أن تعود إلى مصر لاستكمال رحلة العلاج، لكن حالتها الصحية تدهورت بصورة كبيرة.

ومع اشتداد المرض، نقلت فايزة أحمد إلى المستشفى، وظلت تحت الرعاية الطبية حتى رحلت عن عالمنا في 21 سبتمبر 1983، تاركة خلفها إرثًا غنائيًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم.

وكان محمد سلطان قد تحدث عن علاقته بفايزة أحمد، مؤكدًا أن بدايته معها كانت فنية بحتة، وأن صوتها كان من أهم الأصوات التي ساعدته على الانتشار كملحن، قبل أن تتحول علاقتهما إلى زواج وشراكة أسرية وفنية.

كما تحدث عن فترة مرضها، مؤكدًا أن معاناتها كانت صعبة عليه، وأن رحيلها ترك بداخله أثرًا كبيرًا، مشيرًا إلى أنه كان يزورها في قبرها بعد وفاتها، ويحمل الكثير من الذكريات التي جمعتهما معًا.

وظل محمد سلطان محتفظًا بالكثير من مقتنيات فايزة أحمد وذكرياتها، مؤكدًا أن مكانتها بالنسبة له لم تكن باعتبارها مجرد مطربة كبيرة، وإنما كانت زوجته وأم أولاده وشريكة حياته، وأن صوتها وشخصيتها الفنية لا يمكن أن يتكررا.

وهكذا بقيت حكاية فايزة أحمد واحدة من القصص التي جمعت بين المجد الفني والمعاناة الشخصية، فبينما منحها صوتها مكانة استثنائية في تاريخ الغناء العربي، حملت حياتها الخاصة الكثير من التجارب القاسية، قبل أن تجد مع محمد سلطان سنوات من الحب والاستقرار، لتظل أغنياتها وذكرياتها شاهدة على مسيرة فنية وإنسانية لا تُنسى.

تم نسخ الرابط