حواديت زمان.. أنور وجدي من مليارات العقارات إلى ملايين عجزت عن شراء الحياة

أنور وجدي
أنور وجدي

تمتلئ حياة الفنانين بالحكايات التي تظل شاهدة على تفاصيل إنسانية لا يمحوها الزمن، قصص تبدأ بالحلم وتنتهي أحيانًا بالوجع، وأخرى تخفي خلف الأضواء أسرارًا لا يعرف الجمهور تفاصيلها إلا بعد مرور سنوات وبين كل حكاية وأخرى، يظل السؤال حاضرًا ماذا يحدث في حياة النجوم بعيدًا عن الكاميرات؟ وكيف يمكن لحلم صغير أن يتحول إلى رحلة طويلة من الفقر والنجاح والخوف والمرض، قبل أن تنتهي الحكاية في لحظة لم تكن متوقعة؟

وفي حكاية اليوم، نعود إلى واحدة من أكثر قصص الصعود والوجع تأثيرًا في تاريخ السينما المصرية، حكاية الفنان أنور وجدي، الذي بدأ حياته من ظروف صعبة، وحمل بداخله حلمًا كبيرًا بأن يمتلك يومًا ما ما كان يراه بعيدًا عنه، حتى نجح في تحويل الفقر إلى دافع، والخوف إلى طموح، والطموح إلى ثروة ونجاح، قبل أن يأتي المرض في النهاية ويضع حدًا لكل ما بناه.

 

ومن أكثر المشاهد التي تختصر رحلة أنور وجدي، ذلك المشهد المرتبط بالعمارة التي حلم بامتلاكها طويلًا فبعد سنوات من العمل والنجاح، أصبح بالفعل مالكًا لعمارة ضخمة كان يحرص على تجهيزها بالشكل الذي يتناسب مع أحلامه، لكن القدر لم يمنحه فرصة الاستمتاع الكامل بما حققه، إذ عاد إليها بعد رحلة علاجه الأخيرة جثمانًا، في صورة تحمل مفارقة قاسية بين رجل قضى عمره في بناء مستقبله، ونهاية لم تمنحه الوقت الكافي ليرى كل أحلامه مكتملة.

وكانت رحلة أنور وجدي في الفن قد بدأت من مكان بعيد تمامًا عن الثراء والشهرة، إذ عرف في بداياته معنى الخوف من الفشل، وكان شديد التأثر بأستاذه يوسف وهبي، الذي عمل معه في فرقة رمسيس وكان أنور في تلك الفترة حريصًا على إرضاء أستاذه، لدرجة أن أي ملاحظة أو انتقاد كان يترك داخله خوفًا شديدًا من فقدان مكانه داخل الفرقة.

ومن بين المواقف التي ظلت عالقة في ذاكرته، واقعة حدثت في بداية مشواره، بعدما تأخر عن أحد عروض الفرقة في دمنهور. وانتهى الأمر بتعرضه لعقاب قاسٍ من يوسف وهبي، إلى جانب خصم عدة أيام من راتبه، ورغم أن الموقف كان مؤلمًا بالنسبة لفنان شاب كان يحصل على راتب محدود، فإنه ظل يتذكره حتى بعد أن أصبح واحدًا من أهم نجوم ومنتجي السينما المصرية.

ومع مرور السنوات، لم يتحول نجاح أنور وجدي إلى سبب لنسيان بداياته، بل ظل محتفظًا بتقديره لأستاذه، وظهر ذلك في أكثر من موقف، من بينها استعانته بيوسف وهبي للمشاركة في فيلم "غزل البنات"، وحرصه على أن يظهر اسمه في تتر العمل بطريقة تعكس المكانة الكبيرة التي كان يضعه فيها.

ولم يكن خوف أنور وجدي من أستاذه يخلو من مواقف طريفة، فقد كان في بداياته شديد الحرص على ألا يراه يوسف وهبي وهو يدخن. وفي إحدى المرات، وبينما كان يجلس مع بعض أصدقائه في أحد مقاهي الحسين، أخبره أحدهم على سبيل المزاح بأن يوسف وهبي قادم، فارتبك أنور وأخفى السيجارة في جيبه سريعًا، دون أن ينتبه إلى وجود علبة كبريت في الجيب نفسه، لتشتعل النار في ملابسه ويخسر في تلك الواقعة الجاكت الوحيد الذي كان يملكه.

لكن حياة أنور وجدي لم تكن مجرد مواقف طريفة، فقد كانت مليئة بالمخاطر التي واجهها خلال مشواره الفني ومن بين تلك الوقائع حادثة تعرض لها أثناء تقديم مسرحية "الجريمة والعقاب"، عندما كان يؤدي أحد المشاهد التي تتطلب انفعالًا وحركة قوية، قبل أن تصطدم العصا التي يحملها بإناء للزهور، ليسقط الإناء فوق رأسه ويتحطم، ثم يسقط جزء من رف خشبي فوقه، ليفقد وعيه أمام الجمهور، بينما ظن بعض الحاضرين أن ما يحدث جزء من الأداء المسرحي.

ومع كل هذه الظروف، لم يتوقف أنور وجدي عن العمل، بل بدأ اسمه يلمع تدريجيًا، ولم يكتف بالتمثيل، وإنما امتلك عقلية مختلفة جعلته يتجه إلى الإنتاج وصناعة الأفلام، حتى انتقل خلال سنوات من مجرد فنان يعمل في أدوار صغيرة إلى واحد من أبرز المنتجين في السينما المصرية.

وكان طموحه يتجاوز حدود النجاح الذي وصل إليه، إذ ظل يفكر في مشروعات جديدة ويبحث عن فرص للتوسع في صناعة السينما، ووصل به الأمر إلى التفكير في إنتاج أعمال مشتركة مع السينما الإيطالية، وسافر إلى إيطاليا والتقى بعدد من العاملين في مجال السينما هناك، كما كانت لديه خطط لإنتاج أفلام جديدة بأسماء كبيرة من نجوم ذلك الزمن.

وبعد رحيله، ظهرت تفاصيل أخرى كشفت حجم المشروعات التي كان يخطط لها، إذ عُثر في شقته على عدد كبير من القصص السينمائية التي كان قد حصل عليها بالفعل، وكان يضع لها خططًا إنتاجية تمتد لسنوات، بما يعكس حجم طموحه وإيمانه بأن مشواره في السينما لم يكن قد وصل إلى نهايته.

لكن المفارقة الأكبر في حياته كانت أن النجاح لم يستطع أن يمحو مخاوفه القديمة، فعلى الرغم من امتلاكه المال والعقارات، ظل داخله أثر لطفولة صعبة ومواقف تركت في نفسه خوفًا طويلًا. 

ومن بين تلك المخاوف رعبه من السكن في الطوابق المنخفضة، بعدما تعرض في طفولته لموقف اقتحم خلاله لص منزل أسرته، وهو ما جعله يفضل الإقامة في طابق مرتفع داخل عمارة الإيموبيليا.

وربما كان الفقر الذي عاشه في بداياته هو السبب وراء تعلقه الشديد بفكرة امتلاك العقارات فقد ظل يتذكر الأيام التي كان يرى فيها العمارات الكبيرة ويتمنى أن يصبح يومًا من أصحاب الأملاك، وكان ينظر إلى المال باعتباره وسيلة لحماية الإنسان من قسوة المرض والحاجة، وهو الاعتقاد الذي دفعه إلى العمل بلا توقف من أجل تحقيق حلمه.

وبالفعل، نجح أنور وجدي في امتلاك عمارة ضخمة بالقرب من ميدان الفلكي، وكانت في ذلك الوقت تخضع لأعمال التشطيب، وحرص على أن تكون مختلفة، فخطط للطابق الأخير ليضم وحدات فاخرة بحدائق صغيرة، بينما خصص الطابق الأول للمكاتب المرتبطة بمجال السينما.

لكن القدر كان يخبئ له المفاجأة الأقسى، فبينما كان الرجل الذي صنع ثروته بنفسه يستعد للاستمتاع بما حققه، بدأ المرض يشتد عليه، واضطر إلى السفر للعلاج برفقة زوجته ليلى فوزي، بعد انتهاء زواجه السابق من ليلى مراد.

ومع تدهور حالته الصحية، أصبح المرض أقوى من كل ما امتلكه، حتى وصل الأمر إلى فقدانه البصر، وبات يبحث عن أي فرصة لاستعادة صحته، بعدما اكتشف أن الأموال التي ظل يجمعها طوال حياته لا تستطيع شراء الشيء الذي أصبح في أمس الحاجة إليه.

وهنا ظهرت المفارقة التي تلخص حياته بالكامل؛ الرجل الذي آمن طوال عمره بأن المال يمكن أن يحميه من المرض، وجد نفسه في النهاية أمام مرض لا يستطيع المال أن يهزمه.

 كل الثروة التي جمعها، وكل العقارات التي امتلكها، وكل المشروعات التي خطط لها، لم تكن قادرة على منحه فرصة إضافية لاستكمال أحلامه.

ورحل أنور وجدي مبكرًا، دون أن يمتلك الوقت الكافي لتنفيذ كل ما كان يخطط له، تاركًا خلفه مشوارًا حافلًا بالأفلام والأعمال والنجاحات، إلى جانب قصة صعود استثنائية بدأت من ظروف صعبة وانتهت عند قمة صناعة السينما المصرية.

وظلت حياته تحمل مفارقة مؤلمة؛ طفل خائف يحاول أن ينتصر على الفقر، وشاب يسعى لإثبات نفسه، وفنان يتحول إلى نجم، ومنتج يبني مشروعاته، ورجل يطارد المستقبل وكأنه يخشى أن يسبقه الزمن لكنه في النهاية اكتشف أن الإنسان يستطيع أن يبني ويجمع ويخطط كما يشاء، بينما يظل العمر والقدر خارج كل الحسابات.

وربما كانت النهاية الأكثر اختصارًا لحكاية أنور وجدي هي تلك الصورة التي تجمع بين جثمان عاد من رحلة علاج أخيرة، وعمارة حلم بامتلاكها لسنوات طويلة حلم تحقق بالفعل، لكن صاحبه لم يحصل على الوقت الكافي ليستمتع به.

تم نسخ الرابط