لوحات حية في تاورمينا.. "دولتشي أند غابانا" تعيد كتابة تاريخ الأزياء الرجالية من صقلية
في قلب المسرح الأثري القديم بمدينة "تاورمينا" ساحرة صقلية، وقف التاريخ شامخاً ليشهد على تجسيد حي لأحد أبهى العروض في تاريخ الأزياء الرجالية الفاخرة؛ حيث أطلقت دار الأزياء الإيطالية العالمية "دولتشي أند غابانا" (Dolce & Gabbana) مجموعتها الفاخرة "أشيك الخياطة" (Alta Sartoria).
لم يكن العرض مجرد منصة لاستعراض أحدث صيحات الموضة، بل كان احتفاءً بالهوية، ونسجاً بارعاً للتراث مع حرفية الخياطة اليدوية، وهو ما وضحه خبير الأزياء أحمد الشرقاوي خلال تحليله الفني الدقيق لهذه المجموعة الفذة.


عندما تحول الخيط إلى فرشاة رسم
يوضح خبير الأزياء أحمد الشرقاوي أن الميزة الأساسية في هذه المجموعة تمثلت في تحويل خيوط التطريز التقليدية إلى "فرشاة رسم" حقيقية، حيث ابتكرت الدار تقنية التطريز التصويري المعروفة بـ (Punto Pittura).
ومن خلال هذه التقنية الحرفية الدقيقة، لم تعد الملابس أقمشة مجردة، بل أصبحت لوحات زيتية ملموسة تعكس طبيعة صقلية وتاريخها الممتد.
على الجاكيتات والمعاطف الطويلة (الكابوتو)، برزت تفاصيل معمارية وطبيعية آسرّة؛ فرُسمت أطلال المسرح القديم، وجبل "إتنا" البركاني الشهير، والأفق الأزرق للبحر المتوسط.
ويشير الشرقاوي إلى أن هذا التطريز أُنجز بأسلوب بصري ساحر يُشبه التطلع إلى المشهد من خلال "مرسينة" أو إطار شباك تقليدي، مما يمنح المتابع إحساساً بالنظرة الحميمة للمنظر الطبيعي وكأنه يُشاهد من داخل منزل صقلي دافئ.


فخامة الباروك وبريق الذهب الصقلي
لم تقتصر الجماليات على رسم الطبيعة فحسب، بل تعمقت الدار في الفنون المعمارية والتاريخية للإقليم.
أشار الشرقاوي إلى اتخاذ اللون الأسود كخلفية أساسية تُبرز الزخارف الذهبية المستوحاة من الكنائس ذات الطراز "الباروكي الصقلي" واللبس الشعبي التراثي.
واعتمد الحرفيون على استخدام خيوط الـ (Cannetille) وتقنيات الـ (Piattina) المعدنية؛ وهي تقنيات قديمة في التطريز تعكس الضوء ببراعة وقوة تحت إضاءات المسرح، مما منح التصاميم طابعاً ملكياً مهيباً.
كما جرى تحويل الزخارف الخشبية المنحوتة التي تزين القصور القديمة إلى نسيج من البروكار والأبليك المجسم، لتخرج الأشكال المنحوتة من جدران القصور إلى أقمشة الملابس بكل حجمها وهيبتها.


رموز التراث المنزلي وذاكرة العائلات
في جانب آخر من المجموعة، تجسد البُعد العاطفي والإنساني للتراث الصقلي، حيث استُخدمت مفرشات الدانتيل الأبيض والتطريز المفرغ.
ووفقاً لتحليل خبير الأزياء أحمد الشرقاوي، فإن هذا الاستخدام يعكس بوضوح رمزية "التراث المنزلي" والمفرشات العائلية التي كانت تتوارثها الأجيال في صقلية جيلاً بعد جيل.
لم يكن هذا التطريز مجرد تفصيلة جمالية على السترات والقمصان، بل كان تعبيراً عميقاً عن الاهتمام والحب والدفء الأسري.
استطاعت الدار تحويل هذه القطع الحميمية من ذاكرة البيوت إلى قطع أزياء راقية تُبهر الحضور بتوازيها الدقيق بين الضوء والظل.



الموضة كوثيقة ثقافية
يختتم أحمد الشرقاوي تحليله بالإشارة إلى أن هذه المجموعة نجحت في تجاوز مفهوم الأزياء السطحي؛ إذ قدّمت وثيقة ثقافية وفنية متكاملة جمعت بين الهندسة المعمارية، والرسم اليدوي، والحرفية العالية.
إن مجموعة Alta Sartoria في تاورمينا أثبتت أن الأزياء عندما تُصنع بحس فني عالي، تتحول إلى تحف تدوم عبر الزمن وتخلد التراث الإنساني.


