حكاوي زمان.. محمود المليجي "شرير الشاشة الذي خطفه الموت وهو يمثل مشهد النوم الأخير"
رغم مرور السنين، وتغير الملامح، وتطور الحياة، يظل القلب معلقًا بتلك الأيام التي رحلت، بزمن كانت فيه البساطة عنوانًا لكل شيء، وكانت الضحكة تخرج من القلب دون تكلف، وكانت حكايات الفن تروى على مهل وتصنع بصدق، نشتاق إلى تلك الأيام وكأنها وطن يسكن الذاكرة، نستعيده في الأغاني القديمة، ومشاهد الأبيض والأسود، وحكايات النجوم الذين رحلوا بأجسادهم، لكنهم بقوا بأعمالهم ومحبة الجمهور لهم.
ومن هذا الحنين، يأخذكم "وشوشة" كل أسبوع في رحلة جديدة عبر سلسلة "حكاوي زمان"، لنفتح معًا صفحات من تاريخ الفن، ونستعيد حكايات نجوم تركوا بصمة لا تنسى، بين نجاحات صنعت المجد، ومواقف إنسانية مؤثرة، ونهايات ما زالت حاضرة في الذاكرة.
وفي حكاية جديدة من "حكاوي زمان"، نروي الفصل الأخير من حياة الفنان الكبير محمود المليجي، الرجل الذي ارتبط اسمه في أذهان الجمهور بأدوار الشر، لكنه كان في الحقيقة واحدًا من أعظم الممثلين في تاريخ السينما المصرية، استطاع بموهبته الفريدة أن يجعل من نظرة عين أو ملامح وجه وسيلة للتعبير، حتى وصفه المخرج العالمي يوسف شاهين بأنه ممثل يؤدي أدواره بتلقائية شديدة تجعله يخشى نظراته أمام الكاميرا.
ورغم شهرته الواسعة في أدوار الشر، أثبت محمود المليجي أنه قادر على تقديم شخصيات إنسانية عميقة، فقدم شخصية الفلاح البسيط المتمسك بأرضه في فيلم "الأرض"، ليؤكد أنه فنان يمتلك أدوات استثنائية جعلته يحافظ على مكانته طوال مشوار فني امتد لنحو 56 عامًا، وقف خلالها أمام كبار نجوم السينما وترك عشرات الأعمال التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور.
ولد محمود المليجي عام 1910، وظل يعمل حتى أيامه الأخيرة، وكأنه لم يعرف يومًا معنى التوقف عن الفن الذي أحبه.
لكن النهاية جاءت بطريقة لم يتوقعها أحد.
في السادس من يونيو عام 1983، كان المليجي يقف داخل موقع تصوير فيلم "أيوب" برفقة الفنان عمر الشريف، يستعد لتصوير أحد المشاهد، وكان الجميع يتعامل مع اليوم باعتباره يوم عمل عادي، قبل أن يتحول إلى واحد من أكثر الأيام حزنًا في تاريخ السينما المصرية.
يروي المخرج هاني لاشين أن المليجي جلس قبل التصوير يحتسي فنجانًا من القهوة، ثم بدأ تصوير أحد المشاهد الذي يجمعه بعمر الشريف، وخلال الحوار قال جملته الشهيرة: "الحياة دي غريبة جدًا الواحد ينام ويصحى وينام ويصحى وينام ويشخر"، ثم أسند رأسه إلى الخلف وأطلق صوت شخير، وكأنه يؤدي مشهد النوم بإتقان شديد.
في تلك اللحظة، ظن كل من كان في موقع التصوير أن محمود المليجي يبدع كعادته في أداء الشخصية، وأعجب الجميع بصدق تمثيله، حتى التفت إليه عمر الشريف مبتسمًا وقال: "إيه يا محمود خلاص بقى اصحى".
لكن المفاجأة كانت صادمة.
لم يكن محمود المليجي يمثل هذه المرة، فقد كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة بالفعل، ورحل في اللحظة نفسها التي كان يجسد فيها مشهد الموت، لتتحول الكاميرات التي كانت تستعد لتسجيل أحد مشاهد الفيلم إلى شاهدة على نهاية أسطورة من أساطير الفن المصري.
وهكذا، أسدل الستار على رحلة فنية امتدت لعقود، ورحل محمود المليجي عن عمر ناهز 72 عامًا، لكنه ترك خلفه إرثًا فنيًا خالدًا، وأصبح رحيله أثناء أداء أحد مشاهده واحدًا من أغرب وأكثر المواقف تأثيرًا في تاريخ السينما العربية.

