مجموعة فيندي خريف 2026.. عودة أسطورية للحِرفة اليدوية وفنون التطريز الراقية
في مشهد إبداعي مهيب امتزجت فيه عراقة التاريخ الروماني بآفاق العصر الحديث، قدمت المصممة الإيطالية البارزة ماريا غرازيا كيوري مجموعتها الأولى للأزياء الراقية (الكوتور) لخريف 2026 مع دار "فيندي" (Fendi).
لم يكن العرض مجرد حدث عابر في أجندة الموضة العالمية، بل كان بياناً فنياً متكاملاً يعيد الاعتبار للحرفة اليدوية الاستثنائية التي طالما تميزت بها الدار الإيطالية، مؤكداً أن الموضة الراقية ليست مجرد صور فوتوغرافية تُستهلك عبر الشاشات، بل هي تجربة حسية فريدة تعاش فوق الجسد وتتحرك معه في تناغم مطلق.
السماء الرومانية شاهداً على ولادة جديدة
اختارت كيوري العاصمة الإيطالية روما، مهد إلهام الدار، وتحديداً "المعرض الوطني للفنون الحديثة والمعاصرة" (Galleria Nazionale d'Arte Moderna e Contemporanea)، ليكشف عن رؤيتها الجديدة تحت سماء روما الزرقاء الصافية.
وتزامن هذا الحدث الاستثنائي مع افتتاح محاكاة دقيقة لمعرض عام 1985 التاريخي الذي صممه الراحل كارل لاغيرفيلد، ما أضفى لمسة عاطفية ربطت بين ماضي الدار العريق وحاضرها المتجدد.
لقد بدا واضحاً أن كيوري، التي بدأت مسيرتها المهنية في "فيندي" عام 1989 قبل أن تتألق في "فالنتينو" ثم "ديور"، عادت اليوم إلى بيتها الأول محملة بخبرة فلسفية عميقة حول جوهر "الكوتور".



براعة الحرفيين: همس الفخامة لا صراخها
تجسدت تصاميم المجموعة كأعجوبة تقنية استعرضت ذروة المهارات اليدوية لحرفيي وورش عمل "فيندي".
من فن التطعيم المعقد بالجلد (الإنترسيا)، إلى الدانتيل الفاخر والتطريز المتقن، كانت القطع عن قرب تأسر الألباب بدقتها البالغة.
وفي تعليق لها حول هذه الفلسفة، أوضحت كيوري أن الملابس الراقية يجب أن "تهمس ولا تصرخ"، فالرفاهية الحقيقية تكمن في التفاصيل المصقولة التي يدركها مرتديها، معتمدة في الوقت نفسه على بعض اللمسات الشفافة والحسية التي تضفي حيوية على القماش.

راحة الجسم: فلسفة القصات وخفة المواد
على خطى لاغيرفيلد والأخوات الخمس الشهيرات لدار فيندي (باولا، ألدا، كارلا، فرانكا، وأنا) الذين أحدثوا ثورة في مفهوم معاطف الفرو التقليدية خلال الستينيات والسبعينيات، قدمت كيوري تصاميم تهدف إلى تحرير المرأة ومنحها حرية الحركة الكاملة .
برز ذلك في فستان مصنوع من قماش الجورجيت الخفيف المزين بشرائط هندسية من الجلد الأبيض والأسود.
وأشارت المصممة إلى أن هذا الفستان يمثل جوهر الأزياء الراقية، حيث يتطلب تصميمه إعادة ضبط الأبعاد يدوياً حول كل جسد على حدة لضمان استقرار النقوش في المنتصف بدقة تامة.


مراجع ثقافية وإشارات رومانية
شكل "الكيمونو" نقطة انطلاق ملهمة في المجموعة، حيث أُعيد صياغته في جاكيتات ذات تفاصيل خياطة رفيعة ومعاطف راقية تناسب النساء والرجال، مواصلةً مفهوم "الخزانة المشتركة".
واستخدمت كيوري أقمشة فاخرة مثل المخمل وقماش (grain de poudre) المبطن بالحرير الطبيعي. كما ساهمت الثنيات الناعمة في خلق قوام منسوت بطابع نحتي، بينما ظهرت الكابات والعباءات الطويلة خفيفة الوزن كإشارة واضحة إلى الرمزية البابوية المرتبطة بروما.
ولم تغب المراجع الفنية العالمية، إذ حملت بعض الفساتين نقوشاً عربية معقدة مستوحاة من أسلوب "الآرت ديكو" وحركتي "باوهاوس" و"الانفصال الفيني" التي أثرت في فكر لاغيرفيلد.


روح العصر وصورة المرأة المستقلة
ارتكزت لوحة الألوان بشكل أساسي على الأسود ولون الورق العتيق (Parchment)، وهو لون تاريخي مرتبط ببدايات الدار في صناعة حقائب السفر.
وجاءت البدلات النسائية (Pantsuits) بلمسة سبعينياتية تعكس إعجاب لاغيرفيلد بالنجمة مارلين ديتريش، وبشخصية أخوات فيندي كنساء عاملات ومستقلات.
واختتمت كيوري حديثها مؤكدة أن هدفها هو تقديم كوتور يناسب امرأة اليوم المعاصرة التي تعيش حاضرها دون الغرق في حنين الماضي، مستلهمة الروح البنّاءة لمؤسسي الدار التي لم تعرف يوماً الحدود أو المواعيد الخانقة، بل جعلت من التجريب المستمر والابتكار وسيلة للوصول إلى التجدد الدائم.


