من الملاعب إلى الحياة اليومية.. كيف تصنع "مرجعية ربيعة" في فنون الرد على المتنمرين؟

رامى ربيعة
رامى ربيعة

في عالمٍ غدت فيه منصات التواصل الاجتماعي والمواجهات اليومية ساحة مفتوحة للاستعراض، يبرز "التنمر المغلف بالفكاهة" كأحد أعقد التشوهات السلوكية التي يواجهها الأفراد في المجتمعات المعاصرة. 

وغالبًا ما يسقط الضحايا في فخ الدفاع عن النفس، أو التبرير، أو حتى مجاراة السخرية تجنبًا للحرج، دون إدراك منهم بأنهم يمنحون المتنمر "الوقود" السيكولوجي الذي يحتاجه للاستمرار والتمادي.

في هذا السياق، قدمت الطبيبة النفسية والمختصة في علاج الصدمات، الدكتورة ماجي الشافعي، تحليلًا سيكولوجيًا رفيع المستوى حول كيفية التعامل الاحترافي مع هذه المواقف، متخذةً من الموقف الشهير لقائد النادي الأهلي، الكابتن رامي ربيعة، مرجعية حية في "فن الرد بالصمت".

سيكولوجية المتنمر: السعي الحثيث خلف "اللقطة"

تبدأ الدكتورة ماجي الشافعي بفك الشفرة النفسية للمتنمر، مؤكدة على قاعدة ذهبية مفادها: "المتنمر كائن يتغذى على رد الفعل، وإذا حرمته من هذا الرد.. ذوى سلوكه ومات".

إن النمط السائد للمتنمر "الظريف" يعتمد على استراتيجية خبيثة؛ تتلخص في "دسّ السّم في عَرَض الكلم" متبوعًا بابتسامة أو نبرة ساخرة، تمامًا كما فعل أحد الصحفيين عندما سأل ربيعة بتهكم حول ما إذا كان سيراقب زميله في الفريق محمد هاني "رقابة لصيقة" (مان تو مان) في المباراة القادمة. 

الهدف هنا ليس الطرح المهني، بل إحراج الضحية، وانتزاع "لقطة" تصنع تفاعلًا وجدلًا على حساب كرامة الآخرين، مع وضع خط دفاع استباقي يتلخص في عبارة: "إنما كنت أمزح!".

 

"الحزمة المسمومة": لماذا يفشل التبرير؟

توضح الدكتورة الشافعي أن الأسلوب التقليدي في الرد، والمتمثل في اتخاذ موقف الدفاع أو محاولة إثبات العكس (كأن يقول ربيعة: لا، الكابتن محمد هاني لاعب كبير وله ثقله)، هو في الواقع استسلام لشرك المتنمر المنسوج بعناية.

فعندما تبرر، فإنك تمنح السؤال الساخر "شرعية" لا يستحقها ابتداءً، وتضع نفسك في موقف الضعيف كمتهم يحاول جاهدًا إثبات براءته. 

هنا يتجلى الذكاء النفسي الذي طبقه رامي ربيعة؛ إذ رفض استلام هذه "الحزمة المسمومة"، وقرر إعادتها برمتها إلى وجه صاحبها دون تجزئة.

الصمت الامتعاضي: السلاح الأقوى في فقه المواجهة

كيف واجه ربيعة الموقف؟ بالإحجام التام والكامل. 
صمت مطبق، ونظرة امتعاض باردة وثابتة.

هذا التكتيك، بحسب التحليل النفسي للدكتورة ماجي، يعد أبلغ وأقوى إجابة ممكنة، وذلك لعدة اعتبارات سيكولوجية:

 تعرية السخافة: الصمت في وجه السخرية يرفع الغطاء عن "المزاح الثقيل" ويظهره على حقيقته كفعل فج وقبيح أمام الحاضرين.

 نقل العبء النفسي: بدلاً من أن يشعر المستهدف بالإحراج، ينتقل الشعور بالخزي فورًا إلى المتنمر الذي يجد نفسه محاصرًا بصمت خانق يبتلع كلماته ويضخّم زلّته.

 إحباط المقصد: المتنمر لا يبحث عن إجابة معرفية، بل يريد رد فعل متوترًا. والصمت البارد يقطع عليه طريق الخروج بـ"اللقطة" السلوكّية التي يرجوها.

العواقب والمآلات: حسم الحدود يحجم السلوك السام

إن النتيجة الفورية لموقف رامي ربيعة لم تكن مجرد انتصار نفسي عابر في قاعة المؤتمر، بل امتدت لتصحيح إداري حاسم، حيث تم استبعاد الصحفي وتطهير المشهد الإعلامي من هذا السلوك غير المهني.

وتختم الدكتورة ماجي الشافعي برؤية استشرافية تحذيرية: لو أن ربيعة جارى السخرية، أو ابتسم مجاملة، أو حاول التبرير، لشرعن هذا الأسلوب ولرأينا هذا النوع من الشخصيات السامة يتكاثر ويزداد في مجتمعاتنا.

الدرس المستفاد من مدرسة الطب النفسي والمواقف الواقعية واضح وموجز: الرد على المتنمر ليس بحشد الكلمات والخطب، بل بحرمانه المطلق من متعة التأثير. 

اقطع عليه طريق "اللقطة"، واجعل من صمتك مرآة صقيلة تعكس قبح كلماته.

تم نسخ الرابط