استشاري نفسي: السعي لإرضاء الجميع غاية تسبب الخسائر النفسية

وشوشة

في عالم يتسارع فيه إيقاع الحياة وتتداخل فيه العلاقات الاجتماعية بشكل معقد، يجد الكثير من الأفراد أنفسهم محاصرين داخل حلقة مفرغة من السعي الدائم لإرضاء الآخرين. 

هذا النزوع المستمر لنيل القبول الاجتماعي غالباً ما يأتي على حساب الاستقرار النفسي والسلام الداخلي.

 وفي هذا السياق، سلطت الخبيرة والمستشارة النفسية والاجتماعية، ومدربة صدمات الطفولة والصحة النفسية، الدكتورة نهى موافي، الضوء عبر حسابها الرسمي على منصة "إنستغرام" على قضية محورية تمس البناء النفسي للإنسان، وهي أهمية "اختيار الذات" وكيف أن هذه الخطوة لا تصنف كأنانية بأي حال من الأحوال، بل هي تجسيد حقيقي لقمة احترام الذات.

فخ السعي لإرضاء الجميع وتكلفته النفسية

تبين الدكتورة نهى موافي أن استنزاف الطاقة في محاولة إرضاء كل من حولنا يحمل في طياته عواقب نفسية وخيمة. 

عندما يضع المرء رغبات الآخرين في مقدمة أولوياته بشكل دائم، فإنه يسقط تدريجياً في فخ "إرضاء الناس على حساب الذات". 

هذه الحالة تظهر جلياً في عدة سلوكيات ومظاهر نفسية ترهق كاهل الإنسان، ومن أبرزها التفكير الزائد المستمر (Overthinking)، وتجاهل الاحتياجات الشخصية الأساسية سواء كانت عاطفية أو جسدية.

إن العيش بمرجعية ترتكز على الآخرين تجعل الفرد يقع في مأزق قول "نعم" أو "أوافق" في المواقف التي تصر فيها أعماقه على قول "لا". 

هذا التناقض بين السلوك الظاهري والرغبة الداخلية يولد شعوراً مزمناً بالإرهاق، ويجعل المرء رهينة لانتظار صكوك القبول والرضا من الجميع؛ وهو هدف غير قابل للتحقيق، فالقاعدة الإنسانية الثابتة تؤكد أن رضا الناس غاية لا تدرك، ومطاردتها لا تثمر إلا شتاتاً نفسياً.

 

ماذا يحدث عندما تختار نفسك؟

على الجانب المقابل، ترسم المستشارة النفسية مساراً بديلاً ومشرقاً يمثل طوق النجاة من هذا الاستنزاف.

 "لماذا تختار نفسك؟"؛ الإجابة تكمن في التحول الجذري الذي يطرأ على جودة الحياة وسيكولوجية الفرد.

 اختيار النفس يعني أولاً وقبل كل شيء حماية الهدوء الداخلي، ووضع حدود شخصية واضحة وصارمة تمنع التطفل أو الاستغلال.

عندما يقرر الإنسان الالتفات لنفسه، فإنه يبدأ في الاستماع الحقيقي لمتطلباته، ويصبح أكثر قدرة على فرز الدوائر الاجتماعية من حوله، فيتقرب من الشخصيات المريحة والإيجابية التي تدعم استقراره، ويبتعد عن العلاقات السامة أو المستنزفة.

 هذا التوجه يعيد توجيه الطاقة المهدرة نحو التركيز على النمو الشخصي وتطوير الذات، والقيام بالأنشطة والأعمال التي تمنح الروح سلامها وراحتها.

 إن الانتقال من ضفة "إرضاء الآخرين" إلى ضفة "تقدير الذات" يشبه تماماً الخروج من نفق مظلم مليء بالغيوم واللوم والتردد، إلى مساحة رحبة تملؤها الطمأنينة والنور.

اختيار النفس.. أسمى صور الاحترام لا الأنانية

من المفاهيم المغلوطة الشائعة في الثقافة المجتمعية ربط الاهتمام بالذات وتقديمها بالأنانية وحب الذات المفرط. 

ولتصحيح هذا المفهوم، تؤكد الدكتورة نهى موافي على حقيقة واضحة: "اختيارك لنفسك مش أنانية.. ده احترام ليك"

.فالإنسان الذي لا يستطيع منح الرعاية والتقدير لنفسه، لن يكون قادراً على منحها للآخرين بشكل صحي ومستدام.

إن النسخة الإنسانية التي تنهك نفسها لترضى المحيطين بها هي نسخة مزيفة وهشة تجمع الاستغلالين، بينما الأشخاص السوية نفسياً ليست  بحاجة لتقديم تنازلات تمس الكرامة النفسية أو السلام الداخلي. 
إن اتخاذ القرار برفع شعار "أنا أهم" في المواقف التي تتطلب حماية النفس، هو إعلان ناضج عن النضج العاطفي والوعي السلوكي، وهو الخطوة الأولى والأساسية لبناء حياة متوازنة ترتكز على أرضية صلبة من السلام الداخلي والراحة النفسية المستدامة.

تم نسخ الرابط