قبل أن تفقد تركيزك تماماً.. ما تحتاج معرفته عن متلازمة "تعفن الدماغ" وعلاجها

وشوشة

في الآونة الأخيرة، طفا على سطح منصات التواصل الاجتماعي مصطلح غريب ومثير للقلق أطلق عليه المغردون والشباب اسم "تعفن الدماغ" (Brain Rot). 

ورغم أن العبارة قد تبدو للوهلة الأولى مجرد تعبير ساخر أو "ميم" متداول بين المراهقين، إلا أنها تحولت سريعه لتصبح مصدراً حقيقياً للقلق النفسي والتربوي. 

فما هي الأبعاد النفسية والعلمية لهذا المفهوم؟ وما الذي يحدث حقيقة داخل عقولنا في عصر بات يُعرف بعصر "التحفيز السريع"؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، يُوضح الدكتور كريم غيث، أخصائي الطب النفسي وعلاج الإدمان، عبر حسابه الرسمي على منصة "إنستغرام"، الأبعاد الطبية والنفسية الكامنة وراء هذا المصطلح، مشيراً في البداية إلى حقيقة علمية هامة: "لا يوجد تشخيص طبي أو نفسي رسمي في المراجع العلمية يحمل اسم تعفن الدماغ".

 ويضيف أن هذا المصطلح هو في الواقع "تعبير مجازي" صاغه المستخدمون ووصفوا به حالة شعورية وسلوكية عامة باتت تصيب قطاعاً عريضاً من مدمني الشاشات.

ووفقاً للدكتور غيث، يتجلى هذا "التعفن" المجازي في مجموعة من الأعراض والسلوكيات اليومية الملحوظة؛ أبرزها التشتت المستمر، وضعف القدرة على التركيز وقصر المدى الزمني له، بالإضافة إلى العجز التام عن إكمال أي نشاط يتطلب وقتاً وطاقة ذهنية مثل مشاهدة فيلم سينمائي طويل، أو قراءة كتاب، أو الاستماع إلى محاضرة تعليمية. كما يرتبط السلوك بعادة قهرية تتمثل في الإمساك بالهاتف الذكي وتصفحه بشكل متكرر طوال اليوم دون وجود سبب واضح أو رسائل منتظرة.

آلية التلاعب بالدماغ: فخ الدوبامين السريع

لكن، ما الذي يحدث وراء الكواليس داخل خلايا الدماغ؟ يشرح الدكتور كريم غيث المعركة البيولوجية الصامتة التي تقودها منصات المحتوى قصير الأجل مثل (Reels، TikTok، وShorts)

 تعتمد هذه المقاطع التي لا تتجاوز ثوانٍ معدودة على إثارة بصرية وسمعية مكثفة، وتعمل بشكل مباشر على تحفيز "نظام المكافأة" في المخ.

إن كل مقطع فيديو قصير يمرره المستخدم بإصبعه يمنح الدماغ ما يمكن تسميته بـ "دفعة دوپامين صغيرة" وخاطفة. والدوبامين هو الموصل العصبي المسؤول عن شعور اللذة والرضا اللحظي. 
ومع تكرار هذه العملية مئات المرات يومياً، يعتاد الدماغ على هذا النمط من الإثارة الفائقة والسرعة المفرطة، مما يؤدي إلى تغييرات ملموسة في السلوك البشري.

وتأتي النتيجة حتمية ومباشرة: يتناقص صبر الإنسان تجاه أي شيء بطيء في الحياة الواقعية، ويصيبه الملل والتشتت في زمن قياسي، ويجد صعوبة بالغة في التركيز لفترات طويلة؛ لأن مخه أصبح في حالة "جوع دائم" وتحت احتياج مستمر لمحفزات جديدة وصدمات دوپامينية أسرع.

 

مرونة المخ: طوق النجاة واستعادة التوازن

أمام هذا الواقع القاتم، يطرح الكثير من الشباب والمراهقين سؤالاً مدفوعاً بالخوف: هل يعني هذا أن خلايا الدماغ قد تلفت بالفعل؟

يجيب الدكتور كريم غيث بطمأنينة علمية حاسمة: "لا".

 ويبرر ذلك بأن المخ البشري يتمتع بخاصية مذهلة تُعرف علمياً بـ "المرونة العصبية" (Neuroplasticity)، فالمخ عضو مرن للغاية يتكيف ويعيد تشكيل روابطه بناءً على طبيعة وكيفية استخدامنا له.

ويختتم أخصائي الطب النفسي رؤيته بالتأكيد على أن المعادلة بسيطة للغاية: "إذا اعتاد المخ على السرعة؛ فسيستغرب البطء ويرفضه، وإذا عودته على البطء والعمق؛ سيتكيف معهما". 

ومن هنا، فإن نافذة الأمل تظل مفتوحة دائماً، حيث يكمن الحل الجذري في إرادة المستخدم لـ "إعادة برمجة المخ"، عبر اتباع سياسة الاعتدال، وتقنين أوقات الشاشات، وإجبار الذات تدريجياً على العودة إلى الأنشطة العميقة كالقرأة والتأمل الحسي، لاستعادة التوازن العقلي المفقود في عالم لا يتوقف عن الركض

تم نسخ الرابط