بديعة مصابني.. راقصة صنعت مجد المسرح وأسست أول أكاديمية للرقص الاستعراضي في مصر

وشوشة

تحلّ اليوم ذكرى وفاة واحدة من أهم رائدات الفن الاستعراضي في العالم العربي، بديعة مصابني، التي لا تزال سيرتها محفورة في ذاكرة الفن المصري رغم مرور أكثر من خمسين عامًا على رحيلها، لم تكن مجرد راقصة، بل كانت مؤسسة مدرسة فنية متكاملة، خرّجت أجيالاً من النجوم الذين أصبحوا علامات في تاريخ المسرح والسينما والغناء في مصر والعالم العربي.

نشأة متعددة الثقافات وشغف بالفن

وُلدت بديعة مصابني في 25 فبراير 1892 في دمشق لأب لبناني وأم سورية. قضت طفولتها بين عدة دول، حيث انتقلت أسرتها إلى أمريكا الجنوبية ثم بيروت، قبل أن تستقر في القاهرة.

هذه النشأة المتنوعة منحتها ذائقة فنية فريدة، جمعت بين الطابع الشرقي واللمسات الغربية التي ستصبح لاحقًا أساسًا لأسلوبها الاستعراضي المميز.

من جورج أبيض إلى تأسيس الكازينو الشهير

بدأت بديعة حياتها الفنية بالتمثيل في فرقة جورج أبيض، ثم انضمت إلى فرقة نجيب الريحاني، حيث تألقت في المسرحيات الغنائية، قبل أن تؤسس أهم مشروعات حياتها الفنية وهو "كازينو بديعة" في شارع عماد الدين بالقاهرة عام 1926.

كان الكازينو بمثابة أكاديمية للفنون الاستعراضية، مزجت فيه بين الرقص الشرقي والتقنيات الغربية في الأداء المسرحي، وأدخلت أنماطًا فنية جديدة مثل الفودفيل والاستعراض الجماعي المصحوب بالأوركسترا، مما جعله وجهة رئيسية لعشاق الفن الراقي في مصر.

أكاديمية غير رسمية لصناعة النجوم

تحوّل كازينو بديعة إلى منصة لاكتشاف وتخريج المواهب، وكان بمثابة معهد فني غير رسمي خرّج العديد من أعمدة الفن المصري، أبرزهم:

• تحية كاريوكا التي أطلقت منها اسمها الفني وبدأت انطلاقتها الكبرى.

• سامية جمال التي تبنتها بديعة وساعدتها على احتراف الرقص الشرقي.

• إسماعيل ياسين الذي بدأ من الكواليس ثم شق طريقه في عالم الكوميديا.

• محمد عبدالمطلب، فريد الأطرش، محمد فوزي، أسمهان، زينات صدقي وغيرهم.

لم تكن بديعة تكتفي باختيار الوجوه، بل كانت تُشرف بنفسها على تدريبهم وصقل مهاراتهم، سواء في الأداء أو المظهر أو التعامل مع الجمهور.

أسلوب فني غير مسبوق

ما ميّز بديعة عن غيرها من الفنانات في زمنها هو أسلوبها المتكامل في تقديم العرض المسرحي، حيث جمعت بين الرقص والغناء والتمثيل ضمن توليفة استعراضية متناسقة، تميزت بالدقة والاحترافية.

استخدمت في عروضها ملابس غربية فاخرة وأوركسترا موسيقية حية، مما منح عروضها طابعًا عالميًا يضاهي ما يُقدم على المسارح الأوروبية.

حياة خاصة مثيرة وتحولات مفاجئة

ورغم أضواء الشهرة، عاشت بديعة حياة شخصية معقدة، تزوّجت الفنان نجيب الريحاني لكن زواجهما لم يستمر طويلًا، وقررت بعد سنوات من النجاح أن تعتزل الأضواء نهائيًا.

عادت إلى لبنان وابتعدت عن الساحة الفنية، وعاشت في عزلة على مزرعة دواجن حتى توفيت في 23 يوليو 1974.

إرث خالد واسم محفور في الذاكرة

لم يكن تأثير بديعة مصابني مجرد لحظة في تاريخ الفن، بل مرحلة كاملة صنعت خلالها شكلًا جديدًا للفن المسرحي، وقدّمت مفهوماً حديثاً للرقص الشرقي، وجعلت من الكازينو الذي أسسته منبرًا لصناعة النجوم.

وقد أطلق المصريون في وقتها على الجسر القريب من صالتها اسم "كوبري بديعة"، لما كان لمكانها من شهرة وتأثير.

تم نسخ الرابط