يوسف شعبان في ذكرى ميلاده… هيبة الشاشة وملامح الوطن.

وشوشة

 

المشهد الأول:


صباح الثلاثاء، 16 يوليو.
الشمس تتسلل بهدوء إلى أروقة الزمن، لتوقظ ذكرى لا تنام…
ذكرى ميلاد رجل لم يكن مجرد ممثل، بل تجسيد لصوت الدولة، لوجه النخبة، لملامح “الهيبة المصرية” حين تتكلم.
في مثل هذا اليوم من عام 1936، وُلد يوسف شعبان… في حي شبرا، وبين تفاصيل البيت المصري الأصيل، بدأ يتشكّل صوت الرجل الذي سيصير لاحقًا: «محسن ممتاز»… «محسن بيه».


المشهد الثاني:


في بيتٍ تمتلئ أرففه بالمجلات والصحف التي كان يجلبها الأب يوميًا، نشأ يوسف، بين كلمات محفوظ ونجيب سرور، ورسومات نجيب الريحاني…
كان والده مصمم إعلانات، لا يجيد الكلام كثيرًا، لكنّه يعرف كيف يُربي الحِسّ، وكيف يترك في ابنه شغف الاكتشاف.

من مدرسة التوفيقية الثانوية إلى كلية الحقوق بضغط عائلي، ثم إلى المعهد العالي للفنون المسرحية بإلهام من كرم مطاوع، تبدأ الرحلة الحقيقة.
لم يكن التمثيل هو الخطة، بل كان قدرًا ينتظر أن يُستدعى، وكان يوسف شعبان أهلًا لهذا القدر.


المشهد الثالث:
العام 1958، فيلم «سهم الله»… الكاميرا تتعرف على وجه جديد.
ثم تتوالى الأفلام، فيلمًا بعد آخر، مشهدًا بعد آخر، إلى أن يقف أمام شادية في «زقاق المدق»، ثم معها مجددًا في «ميرامار».
كان محفوظ يكتب، وكان يوسف يُجسّد… يُعطي للحروف أنفاسًا، وللشخصيات عمقًا، يجعل من كل رجل عادي، بطلاً له حكاية.


المشهد الرابع: رأفت الهجان… رجل الدولة في عيون الناس

 

لكنه لم يُخلّد فنيًا كما خُلد حين ارتدى بدلة «محسن ممتاز» في مسلسل رأفت الهجان.
بصوته الرصين، وعينيه الحادتين، رسم صورة لرجل المخابرات المصري: الهادئ، الحاسم، الذكي، والوطني حدّ الصمت.

في هذا الدور، لم يكن يوسف شعبان يُمثّل.
كان يوسف يحمل على كتفيه صورة مصر كما أرادها الجميع أن تُرى: قوية، ذكية، لا تتكلم كثيرًا… لكنها تعرف كل شيء.

«محسن بيه» لم يكن فقط الشخصية التي قال عنها رأفت الهجان: «أنا اتعلمت منه كتير»، بل صار رمزًا في الذاكرة الشعبية، دليلًا على أن الدراما قادرة على زرع الإيمان في القلب… فقط إن وجدت من يؤديها بصدق.


المشهد الخامس: الرجل الذي أحب كثيرًا… وعُرف أكثر

 

وراء الشاشة، كانت حياة يوسف شعبان مليئة بالتفاصيل.
تزوج من ليلى طاهر في زواج مليء بالحب، لكنه لم يصمد أمام طباع الحكايتين.

ثم جاءت قصته الأشهر مع نادية إسماعيل شيرين، حفيدة الملك فؤاد الأول… قصة حب لم يعترف بها القصر إلا بعد صدام طويل.

تزوجا، وأنجبا ابنتهما «سيناء»… الاسم الذي اختاره ليربط الحب بالوطن.

وأخيرًا، تزوّج من الكويتية إيمان الشريعان، وأنجب منها «زينب» و«مراد»، ليكمل فصلاً جديدًا من حياته في هدوء الخليج.

 

المشهد السادس: رحيل يشبه الوقار


في 28 فبراير 2021، رحل يوسف شعبان عن عالمنا، بعد إصابته بفيروس كورونا.
عن عمر ناهز التسعين، ودّع رجل الشاشة جمهوره، كما عاش معهم: بهدوء، دون ضجيج، لكن بأثر لا يزول.

 

المشهد الأخير: يوسف… فكرة لا تموت

في زمن تبدّلت فيه الملامح، وباتت الأدوار أسرع من ذاكرة المشاهد… يبقى يوسف شعبان خارج هذا الإيقاع.
ليس لأنه كان “الأفضل” دائمًا، بل لأنه كان “الأصدق”.

صدق الأداء حين لا يكون مجهودًا، بل حضورًا.
صدق الملامح حين تسبق الكلام.
صدق الانتماء لبلدٍ أحبّه، فحمل صورته في كل مشهد، دون أن يرفع شعارًا واحدًا.

لم يكن “محسن ممتاز” وحده رمزًا…
يوسف شعبان نفسه صار رمزًا.
رمزًا لفنّ لا يهرول، ولهيبة لا تُصطنع، ولرجلٍ كلما ظهر على الشاشة، شعرنا أن ظهر الوطن لا يزال مُستقيمًا.

وإن غاب… فالصورة لم تغب.
لأن الرجال الذين يشبهون الأوطان… لا يُنسون.

 

تم نسخ الرابط