سباعية برامج اكتشاف المواهب | عفوًا.. الصوت لا يصنع نجما!

وشوشة

في عام 2023، اختارت مجلة "Rolling Stone" الأمريكية أم كلثوم ضمن قائمتها لأهم 200 مغن ومغنية في تاريخ البشرية. وقتها، احتفى كثيرون في العالم العربي بالاختيار، واعتبروه اعترافا غربيا متأخرا بعظمة كوكب الشرق وقيمتها الفنية.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في وجود أم كلثوم بالقائمة، وإنما في السؤال الأهم: لماذا اختارتها المجلة؟

عند العودة إلى المعايير التي استندت إليها المجلة في اختيارها، سنكتشف أن الأمر أكثر عمقا مما نتصور؛ فالعنصر الذي اعتدنا اعتباره المعيار الأول في تقييم المغني، وهو «الصوت»، لم يكن بالضرورة العامل الحاسم في الاختيار!

فلا مساحة الصوت، ولا قدرته على أداء العرب والقرار والجواب، ولا القوة الصوتية بمعاييرها التقليدية التي ظلت لجان تحكيم برامج اكتشاف المواهب تكرر الحديث عنها لعقود طويلة، كانت وحدها كافية لتفسير اختيارات المجلة.

المعيار كان أوسع من ذلك بكثير؛ بدليل وجود تجارب غنائية مختلفة في القائمة، من بينها روزاليا، التي تعتمد في بعض أعمالها على المعالجة الرقمية للصوت، بما فيها تقنيات الأوتوتيون.

المسألة إذن لم تكن مسابقة لاختيار أجمل حنجرة، وإنما كانت بحثا عن عناصر أكثر تعقيدا: التأثير، والشخصية، والهوية الفنية، والقدرة على خلق حالة موسيقية وثقافية، وصناعة تاريخ وجمهور لا يكتفي بالاستماع إلى الفنان، وإنما يعيش معه ويتفاعل مع تجربته.

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: إذا كانت واحدة من أبرز المجلات الموسيقية في العالم تنظر إلى النجومية باعتبارها حصيلة عناصر تتجاوز الإمكانات الصوتية، فلماذا لا تزال برامج اكتشاف المواهب العربية تتعامل مع المغني باعتباره مشروعا لحنجرة جيدة، وليس مشروعا فنيا متكاملا؟

بل لماذا اختفت غالبية الأصوات التي فازت في هذه البرامج؟ ولماذا نرى فنانين قد لا ينجحون في اجتياز اختبارات لجان التحكيم، لكنهم ينجحون في الوصول إلى الشارع، وصناعة جمهور، وتحقيق النجومية، وترك أثر في تاريخ الموسيقى؟

الأمر ببساطة أن هذه البرامج صُممت، وهُندست بنيتها الإعلامية وآليات استقطابها الجماهيري، بغرض التسلية وتحقيق المشاهدات، وليس بالضرورة اكتشاف نجوم جدد أو صناعة مشروعات فنية قادرة على الاستمرار.

والدليل، من وجهة نظري، أن كل هذه البرامج، بمختلف مواسمها، لم تنجح في صناعة نجم حقيقي قادر على ريادة المشهد الموسيقي المصري.

وهذا ليس حكما مرسلا أو انطباعا شخصيا بلا أدلة؛ بل هو استنتاج سنحاول إثباته في المقالات المقبلة، من خلال تفكيك آليات عمل هذه البرامج، ومعايير اختيارها، وطبيعة علاقتها بالفن والنجومية.

ولكن نعود لنؤكد على أن اختيار مجلة Rolling Stone لأم كلثوم في قائمة 200 مغن ومغنية في تاريخ البشرية، لنتذكر أن الصوت، مهما بلغت قوته وجماله، ليس المعيار الأهم لصناعة النجومية، ولا العامل الوحيد الذي يصنع تاريخ المغني. فالنجومية الحقيقية تُقاس بما يتركه الفنان من أثر، وما يصنعه من هوية موسيقية خاصة، وقدرته على التأثير في جمهوره وتشكيل وجدان وثقافة أجيال كاملة. 

فالصوت الجميل ربما يجعلك مطربا، لكن الهوية والتأثير هما ما يصنعان النجم!

تم نسخ الرابط