سباعية ويجز ومروان بابلو.. ويجز يكسب بالتريند.. وبابلو يخسر بالتسريب

ويجز ومروان بابلو
ويجز ومروان بابلو

عندما نعود إلى الماضي لمدة لا تتجاوز الشهرين، سنجد أن الفريق المسؤول عن الترويج لأعمال “ويجز” نجح في تقديمه بحلقة من برنامج “صاحبة السعادة” مع الإعلامية الكبيرة “إسعاد يونس”، في خطوة بدت أقرب إلى محاولة صناعة طوق نجاة ينتشل الفنان السكندري الشاب من بحر التراجع الذي لازم أعماله الغنائية الأخيرة.

والتراجع هنا بمعناه الواسع؛ جماهيريًا من حيث الانتشار، وفنيًا من حيث ضعف المحتوى والكلمات والأداء والتوزيعات، فضلًا عن فقدان الهوية وخذلان جمهوره المخلص، الذي يطالبه بالعودة إلى أغاني الراب، والابتعاد عن التجريب “الفاشل” في سوق “البوب”، الذي سقط فيه ويجز بكل جدارة.

“ويجز” لم يعد يبيع للجمهور أعمالًا موسيقية بقدر ما يبيعهم صورة وحكاية، فهو يمتلك قدرة واضحة على الظهور في أي تريند يضمن تداول اسمه، بصرف النظر عن طبيعة المحتوى وهو ما ظهر في “صاحبة السعادة”، حيث احتلت تفاصيل زيجته وعلاقته بأخيه والجوانب الإنسانية من حياته مساحة كبيرة، بينما تراجع الحديث عن مهنته الحقيقية: الموسيقى.

والمشكلة تبدأ حين يصبح الجانب الشخصي هو المنتج الأساسي الذي يجري تسويقه، فلا يُبذل المجهود الكافي لإقناع الجمهور بجودة الأغنية، ونستبدل ذلك بترسيخ صورة ذهنية عن الفنان وربطه بأي موضوع يثير اهتمام الناس، حتى يصبح حضوره أمرًا واقعًا، ولو لم يقدم عملًا يستحق كل هذه الضجة.

التريند وصناعة الموقف

منذ اندلاع الحرب على غزة، انخرط “ويجز” في التعبير عن مواقفه السياسية عبر منصة “إكس” ومن حيث المبدأ، لا يمكن انتقاد فنان لمجرد تضامنه مع قضية عادلة، لكن الموقف يفقد جزءًا من قيمته حين يتحول إلى انفعال وتعميم في الحكم على دول بشعوبها كاملة، بينما لا تقدم أنت دعمًا حقيقيًا من أي نوع، ولو حتى بفنك!

ثم جاءت واقعة رده على صورة “رونالدينيو”، حين أشار إلى صورة قديمة للاعب البرازيلي يحمل فيها العلم الإسرائيلي، معلنًا عدم الترحيب به خلال زيارته لمصر، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تنشيط السياحة! فتحولت الواقعة إلى تريند سلبي مضاد، قبل أن يظهر “ويجز” نفسه لاحقًا في صورة مع “رونالدينيو” خارج مصر، خلال حفله في بنغازي.

وهذا يكشف كيف لم تعد القضية مجرد موقف سياسي واضح، وإنما تحولت إلى مادة لإدارة الجدل: صورة تثير الغضب، ثم صورة أخرى تستدعي التساؤلات، ثم حذف للصورة وروايات تحاول تفسير التناقض.

المهم أن يظل اسم “ويجز” حاضرًا في التداول، حتى في غياب أي عمل موسيقي جديد.

الجلابية.. من لقطة إلى حكاية

من الأمثلة الأخرى ظهور “ويجز” مرتديًا جلابية صعيدية في إحدى حفلاته خارج مصر.

في حد ذاتها، كانت لقطة جميلة؛ فظهور فنان مصري بملابس مستوحاة من هويته المحلية في حفل خارج البلاد أمر يستحق التقدير. لكنها لم تُترك باعتبارها لقطة عادية.

ظهرت روايات تربط ارتداء “ويجز” للجلابية بحادثة منع شاب مصري من دخول أحد المحال الشهيرة في التجمع الخامس بسبب ارتدائه جلابية صعيدية. وبالبحث في الواقعة، يتضح أنها حدثت بالفعل، لكنها سبقت حفل “ويجز” بأشهر.

لا يمكن الجزم بمن يقف وراء هذه الرواية، لكن طريقة تقديمها توضح كيف يمكن تحويل صورة بسيطة إلى قصة اجتماعية تمنح الفنان شخصية محددة في أذهان الجمهور: ابن البلد، المنحاز إلى البسطاء، وصاحب الموقف.

وهذه إحدى أدوات صناعة النجومية الحديثة: أن تجعل الجمهور لا يكتفي بمشاهدة الفنان، بل يتماهى مع الشخصية التي صُنعت حوله.

إعلان يتحول إلى معركة

تكرر الأمر مع إعلانات إحدى شركات المياه الغازية العالمية، التي ظهر فيها “ويجز” قبل ظهور “عمرو دياب” و”محمد صلاح”.

انتشرت روايات تزعم أن “ويجز” رفض المشاركة في إعلان الشركة تضامنًا مع فلسطين، وأنه اتخذ موقفًا أخلاقيًا يختلف عن النجمين الآخرين، فتحولت القصة إلى مادة للهجوم على “عمرو دياب” و”محمد صلاح”.

لكن هذه الرواية لم تستند إلى معلومات موثقة عن عرض مالي ضخم رفضه “ويجز”، كما أن ظهوره في بداية الحملة لا يعني أنه رفض المشاركة فيها بعد العدوان الإسرائيلي على غزة؛ فالحملات الإعلانية المتدرجة تسمح بظهور أكثر من نجم في مراحل مختلفة.

المفارقة أن الجدل لم يكن قائمًا على أغنية قدمها “ويجز”، أو تبرع معلن، أو مشاركة موسيقية لدعم القضية الفلسطينية، بل على قصة انتشرت حوله.

هكذا يصبح التريند أحيانًا سلعة مستقلة عن الحقيقة، ويستفيد الفنان من موجة الجدل حتى لو لم يقدم فعلًا فنيًا أو إنسانيًا يبرر كل هذه الضجة.

عندما تسبق الحكاية الأغنية

ثم جاء إعلان “ويجز” الأول مع إحدى شركات الإلكترونيات، الذي تحول إلى مادة واسعة الانتشار بعدما ربط الجمهور بينه وبين أغنية “منوعات” لـ”عفروتو ومروان موسى”، وما تضمنته من إشارات إلى ابتعاد “ويجز” عن الراب.

المفارقة أن الإعلان كان قيد الإعداد قبل صدور الأغنية، لكن ذلك لم يمنع إعادة تقديمه باعتباره ردًا على زملائه.

ثم تحولت عباراته إلى “ميمز” ومقاطع ساخرة، فأصبح الإعلان جزءًا من قصة تتضمن منافسة وتحديًا وانتصارًا، واستفاد “ويجز” من الحضور المتجدد دون أن يكون قد أصدر أغنية جديدة.

إذا كانت الحكاية قادرة على صناعة التريند، فإن الأرقام تساعدنا على التمييز بين تأثير الدعاية وتأثير الموسيقى.

ارتبطت أغنية “البخت” في الوعي الجماهيري بحكاية عاطفية متداولة عن إعجاب “ويجز” بالفنانة “هدى المفتي” خلال تصوير مسلسل “بيمبو”. وبغض النظر عن دقة الرواية، فإنها منحت الأغنية سياقًا دراميًا جعل الجمهور يستقبلها باعتبارها اعترافًا عاطفيًا حقيقيًا.

أما “أميرة” و”الدنيا إيه”، فلم تحظيا بالزخم نفسه، رغم دخولهما في سياقات عاطفية قريبة.

الفارق ليس بالضرورة في جودة الأغاني وحدها، ولكن في حجم القصة التي أحاطت بكل عمل. فالأغنية التي تتحول إلى جزء من حكاية شخصية تصبح قابلة للتداول خارج سياقها الموسيقي، بينما تظل الأغنية الأخرى رهينة قدرتها الفنية.

ولذلك، فإن اسم “ويجز” هو بلا شك الأشهر بين زملائه في مجال الراب، لكن المفارقة أن أعماله في السنوات الأخيرة ربما تكون الأقل شهرة بين أعمال زملائه في المجال نفسه الذي خرج منه، قبل أن يتركه ويتجه إلى “البوب”.

بابلو.. موهبة بلا حماية

على الجانب الآخر، لا يجيد “مروان بابلو” هذه اللعبة بالقدر نفسه. فهو يجتهد في صناعة أعمال ذات قيمة فنية، لكنه لا يستطيع دائمًا حمايتها حتى صدورها رسميًا.

قبل ذلك، تعرض ألبومه الأفضل فنيًا، “آخر قطعة فنية”، للتسريب قبل طرحه، وهو ما ساهم في تقليل التفاعل الجماهيري معه، رغم أن العمل حقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، لكن التسريب قلل من فرص انتشاره بصورة أوسع، وحرم طرحه الرسمي من جزء من الزخم الذي كان يمكن أن يصاحبه.

وفشل الفريق المحيط به أيضًا في الحفاظ على أغنيته “عايش” مع الموسيقار “هشام نزيه”، التي سُربت قبل نزول حلقة ريدبول رسميًا، تحت عنوان “بأعجوبة”.

هذه الوقائع تطرح سؤالًا مهمًا عن كفاءة إدارة أعمال “مروان بابلو”؛ فالمشكلة ليست بالضرورة في قدرته على صناعة الموسيقى، وإنما في حماية هذه الموسيقى وإدارتها تسويقيًا بالشكل الأمثل، بل إن بعض القرارات المحيطة بأعماله تبدو وكأنها تعمل عكسيًا ضد مصلحته، لدرجة تجعل أهم إنتاجاته الغنائية عرضة للتسريب قبل أن تحصل على فرصتها الطبيعية في الانتشار.

وهنا تتضح الفجوة بين النجمين: “ويجز” يجيد صناعة الحكاية المحيطة باسمه، ويعرف كيف يحول أي ظهور إلى فرصة جديدة للتداول، بينما يملك “مروان بابلو” مشروعًا موسيقيًا أكثر تركيزًا على العمل نفسه، لكنه لا ينجح دائمًا في توفير الحماية التسويقية اللازمة له.

في النهاية، قد تمنحك الموسيقى مكانتك الفنية، لكن الدعاية هي التي تحدد أحيانًا حجم حضورك في السوق. وفي هذه اللعبة تحديدًا، يتفوق “ويجز” بوضوح، حتى عندما لا تكون أغانيه هي العنصر الأهم في المشهد.

تم نسخ الرابط