سباعية ويجز ومروان بابلو.. كيف صنعت ريدبول نجمًا غير قابل للمنافسة؟
ربما كانت المنافسة بين ويجز ومروان بابلو ستبدو أكثر تكافؤًا على المستوى الفني، لولا تدخل مؤسسة «ريد بول» ومشروعاتها الموسيقية والترفيهية التي منحت بابلو، بشكل أو بآخر، وربما من دون أن تدري، أفضلية استثنائية على جميع الرابرز الموجودين على الساحة، بما فيهم ويجز نفسه، حتى لو كان الأخير أكثر شهرة على المستوى الجماهيري، لدى الجمهور العام والأوسع.
لكن على مستوى المحتوى الفني والتجارب الموسيقية، تبدو المقارنة مختلفة تمامًا، والسبب يعود إلى مشروعين تشترك فيهما «ريد بول» بصورة مباشرة، أولهما «ريد بول سيمفونيك»، وثانيهما تجربة بابلو مع الموسيقار هشام نزيه في برنامج «ريد بول صالونات».
ريد بول سيمفونيك
الأفكار التي تتبناها المؤسسة ليست جديدة، فقد سبق أن قدمت «ساوند كلاش»، وهو حدث موسيقي تفاعلي يقوم على التنافس الفني المباشر بين فرقتين أو فنانين، ينتمون إلى أساليب موسيقية مختلفة، تحت سقف واحد. وتظل مواجهة «كايروكي» و«وسط البلد» واحدة من أشهر تجارب هذا المشروع.
أما «ريد بول سيمفونيك»، فهو مشروع موسيقي استثنائي يقوم على دمج الموسيقى المعاصرة، مثل الراب والبوب، بالأوركسترا الكلاسيكية الكاملة.
وقد عرف العالم تجارب مشابهة، من بينها تجربة المنتج الموسيقي «Metro Boomin»، الحاصل على جائزة جرامي، لكن اختيار مروان بابلو ليكون نجم أول تجربة من هذا النوع في مصر وضعه في منطقة استثنائية، خصوصًا أن قيادة الأوركسترا أُسندت إلى المايسترو الشهير ناير ناجي.
اختيار بابلو في حد ذاته نقطة تفوق تُحسب له؛ لأنه يقول، بشكل أو بآخر، إن المنتج الموسيقي الذي يقدمه، بوصفه كاتبًا وملحنًا وموزعًا في بعض الأحيان، يمتلك من العناصر ما يسمح بإعادة تقديمه في قالب أوركسترالي، بقيادة ناير ناجي ومشاركة أوركسترا كاملة تضم أكثر من 100 عازف.
فلو كان المنتج الموسيقي الذي يقدمه بابلو محدودًا أو منغلقًا على القوالب التقليدية للراب، لما كانت إعادة صياغته داخل هذا البناء الأوركسترالي بالسهولة نفسها. فالتجربة لا تكتفي بإعادة عزف الأغاني بآلات مختلفة، وإنما تختبر مدى قابليتها للانتقال إلى عالم موسيقي آخر، بما يحمله من تفاصيل وتكوينات مختلفة. ومجرد اختيار بابلو لهذه التجربة يمنحه نقطة نجاح مهمة، بصرف النظر عن تقييمنا النهائي لنتيجتها الفنية.
ولأنني أحرص على ألا تنعزل كتابتي النقدية عن الواقع صديقي القاريء، وألا تتحول إلى تنظير من بعيد، حجزت تذاكر الحفل فور الإعلان عنه للمرة الأولى، حين كان مقررًا إقامته في المتحف المصري الكبير، قبل تغيير مكانه إلى مول مصر بطريق الواحات في السادس من أكتوبر.
كانت واحدة من أنجح الحفلات التي حضرتها في حياتي وأقول ذلك بصفتي ناقدًا حضر حفلات لعدد كبير من نجوم الغناء، من بينهم جينيفر لوبيز، وعمرو دياب، ومحمد منير، وتامر حسني، ومحمد حماقي، وعلي الحجار، ومدحت صالح، وعمر خيرت، ومحمد محسن، وكايروكي، ومسار إجباري، ومروان موسى، وعفروتو، وويجز، وغيرهم من أبرز الموجودين على الساحة.
أول ما لفت انتباهي كان حالة التوحد بين بابلو وجمهوره، وكأن الجمهور جاء ليغني لا ليستمع فقط. بدا الأمر أشبه باحتفال جماعي بلحظة فارقة في مشوار نجم يرى جمهوره أنه يمثله، وهو يقف أمام أوركسترا كاملة ويقدم أغانيه بصورة مختلفة، في تجربة تمنح مشروعه الموسيقي اعترافًا جديدًا بإمكانية إعادة صياغته على يد مايسترو وبمشاركة أكثر من 100 عازف.
ولذلك نحن لا نتحدث عن مجرد حفلة ناجحة، بل عن فرصة استثنائية حصل عليها بابلو ليقدم نفسه خارج الإطار المعتاد لحفلات الراب، ويختبر موسيقاه في مساحة أوسع، أمام جمهوره، وبالتعاون مع أسماء تمتلك خبرة كبيرة في التعامل مع التكوينات الأوركسترالية.
عايش مع هشام نزيه
وبعد نحو عام ونصف، عادت «ريد بول» لتمنح بابلو تجربة لا تقل أهمية، هذه المرة مع الموسيقار هشام نزيه، أحد أبرز صناع الموسيقى في مصر والوطن العربي خلال السنوات الأخيرة.
وكان بابلو ذكيًا بما يكفي ليدخل التجربة بثقة ورغبة في المشاركة، قبل أن يدرك تدريجيًا أنه أمام خبرة موسيقية مختلفة، وأمام موسيقار لديه حماس حقيقي للوصول إلى أرضية مشتركة معه. ومع تطور الحوار، تراجع بابلو خطوة إلى الخلف، وترك مساحة أكبر لأفكار هشام نزيه، بدلًا من التمسك برؤيته الأولى.
وفي المقابل، احترم هشام نزيه طريقة بابلو في العمل، ولم يحاول أن يفرض عليه وصفة جاهزة، بل تركه يشارك في بناء التراك وصناعة اللحن، ثم بدأ في تعديل الجمل اللحنية وتطويرها، حتى وصلا إلى اتفاق موسيقي مشترك. وبعد ذلك انتقلا إلى كتابة الكلمات، ثم الغناء.
وما لفت انتباهي أن التجربة لم تُقدَّم باعتبارها مواجهة بين جيلين، أو استعراضًا للفارق في الخبرة بين موسيقار كبير ورابر شاب، وإنما بدت مساحة حقيقية للتبادل الموسيقي، يتعلم فيها كل طرف من الآخر، من دون أن يفقد هويته.
كنت قد استمعت إلى التراك "عايش" عندما تسرب قبل طرحه رسميًا، وانزعجت من التسريب؛ لأن العمل بدا مختلفًا عن كثير مما قدمه بابلو من قبل، والتسريب يقلل قطعًا من انتشار الأغنية بشكل جماهير. لكن بعد مشاهدة الحلقة، تغير موقفي من الواقعة نفسها، ليس من التسريب باعتباره تصرفًا، وإنما من قيمة التجربة التي كشفت عنها الحلقة.
فبرغم التسريب، نجحت الحلقة في أن تعيش الجمهور أجواء العمل الحقيقية، وتحترم المشاهد بتقديم درس عملي في تبادل الثقافات الموسيقية، من خلال إنتاج عمل جديد. لا إفيهات مصطنعة، ولا مبالغة في صناعة لحظات تصلح للاقتطاع والنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا محاولة لافتعال ترند.
مجرد عمل موسيقي هادئ، يكشف تفاصيل الصناعة خطوة بخطوة، ويمنح الموسيقى المساحة الأكبر.
مروان بابلو المستفيد الأكبر
بالطبع، المستفيد الأكبر من هذه التجارب هو مروان بابلو، الذي يواصل تمييز نفسه عن أبناء جيله من خلال مشروعاته الموسيقية، لا بمجرد المنافسة على أرقام المشاهدات أو حجم الحضور الجماهيري.
فهو من أبرز الرابرز الذين قدموا تجارب تنتمي إلى الـ «Concept Album»، القائم على وجود فكرة أو رابط فني يجمع أجزاء العمل، كما أنه خاض تجربة الغناء مع أوركسترا كاملة بقيادة ناير ناجي، ثم انتقل إلى تجربة جديدة مع هشام نزيه، أحد أهم الموسيقيين المصريين خلال السنوات الأخيرة.
هذه التجارب لا تعني بالضرورة أن بابلو يتفوق في كل أغنية يقدمها، أو أن كل مشروعاته تحقق النجاح الفني نفسه، لكنها تمنحه فرصًا استثنائية لتوسيع أدواته، واختبار قدراته، وتقديم نفسه باعتباره فنانًا قادرًا على التحرك خارج المساحة المألوفة للراب.
أما ويجز، فيقدم حفلات جماهيرية ضخمة وناجحة، ويتمتع بحضور وشهرة واسعين، لكن إذا انتقلنا من حجم الجمهور إلى طبيعة المشروعات الفنية نفسها، فستبدو الكفة راجحة لمصلحة بابلو الذي أحسن استغلال الفرص التي أتيحت له، ونجح في تحويلها إلى محطات فارقة في مشواره، تمنحه أفضلية فنية واضحة على أبناء جيله.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة: قد يكون ويجز الأكثر شهرة لدى قطاعات أوسع من الجمهور، لكن بابلو حصل على فرص جعلته يقدم نفسه في مساحات موسيقية يصعب على منافسيه مجاراتها، ليس بالضرورة لأنهم أقل موهبة، وإنما لأنهم لم يخوضوا التجارب نفسها.


