عادات الشباب الرقمية في 2026.. هل حان وقت تغيير طريقة استخدام التكنولوجيا؟
مع اقتراب نهاية عام 2026، لم يعد النقاش حول استخدام الشباب للتكنولوجيا مقتصرًا على عدد الساعات التي يقضونها أمام الشاشات، بل امتد إلى طبيعة علاقتهم بالمنصات الرقمية، وتأثيرها في التركيز والنوم والصورة الذاتية، ومدى قدرتهم على التحكم في الوقت الذي يمضونه عبر الإنترنت. وبينما أصبحت تطبيقات التواصل وسيلة أساسية للتعلم والترفيه والتواصل مع الآخرين، تكشف دراسات حديثة عن رغبة متزايدة في جعل التجربة الرقمية أكثر أمانًا وتوازنًا.
وتشير نتائج استطلاع أجرته المفوضية الأوروبية خلال الفترة من 30 مارس إلى 16 أبريل 2026، وشمل 26,297 مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عامًا في دول الاتحاد الأوروبي، إلى أن متوسط الوقت الذي يقضيه المراهقون على الإنترنت يبلغ 4.5 ساعات في أيام الدراسة، ويرتفع إلى 6.1 ساعات خلال عطلات نهاية الأسبوع. كما أفاد تسعة من كل عشرة مشاركين بالتعرض لمخاطر عبر الإنترنت، فيما قال 45% إنهم يقارنون أنفسهم بالآخرين على مواقع التواصل الاجتماعي.
ولا تعني هذه الأرقام أن الاستخدام الرقمي يؤدي بالضرورة إلى نتائج سلبية لدى الجميع، لكنها تطرح تساؤلات بشأن كيفية استخدام التكنولوجيا، ومدى تأثيرها في تفاصيل الحياة اليومية.
التمرير المستمر.. عادة يصعب التوقف عنها
من أبرز العادات التي يناقشها الباحثون والمستخدمون الشباب آلية التمرير المستمر، التي تتيح الانتقال من مقطع إلى آخر دون نقطة توقف واضحة. وقد يتحول الدخول إلى تطبيق لمشاهدة محتوى قصير إلى وقت طويل من التصفح، خاصة عندما تتوالى المقاطع المقترحة وفق اهتمامات المستخدم.
وتناول تقرير نشرته مؤسسة Nuffield Foundation بالتعاون مع Ada Lovelace Institute في مايو 2026 تجارب أشخاص تتراوح أعمارهم بين 14 و24 عامًا مع التكنولوجيا الرقمية، بما في ذلك استخدام الهواتف الذكية ومواقع التواصل والذكاء الاصطناعي. وأبرز التقرير أهمية الاستماع إلى تجارب الشباب أنفسهم عند مناقشة التغييرات المطلوبة في البيئة الرقمية.
وفي دراسة بريطانية أخرى عن رفاه الأطفال والشباب عبر الإنترنت، أشار المشاركون إلى مخاوف تتعلق بالخوارزميات والتصميم الذي يشجع على استمرار المشاهدة، إلى جانب القلق بشأن ما يعتقده الآخرون عنهم والمحتوى الذي يتعرضون له. ويمكن أن تشمل التغييرات التي يناقشها المستخدمون تقليل الإشعارات، وتحديد وقت للتصفح، وتعديل المحتوى المقترح، بدلًا من التخلي الكامل عن المنصات.
المقارنة بالآخرين وضغط الظهور بصورة مثالية
لا يرتبط تأثير مواقع التواصل بالوقت وحده، بل بالمحتوى الذي يتعرض له المستخدم وطريقة تفاعله معه. فالصور المنتقاة بعناية، والإنجازات المعروضة بصورة متكررة، والمقارنة بالمؤثرين والأصدقاء، قد تدفع بعض المستخدمين إلى تقييم حياتهم بناءً على ما يرونه على الشاشات.
وفي استطلاع المفوضية الأوروبية، أفاد 45% من المراهقين المشاركين بأنهم يقارنون أنفسهم بالآخرين عبر مواقع التواصل، بينما ذكر قرابة ثلثهم أنهم يشعرون بالتوتر أو الحزن أو الاستبعاد الاجتماعي بسبب هذه المنصات. وتوضح هذه النتائج أن التجربة الرقمية قد تجمع بين الترفيه والتواصل من ناحية، والضغوط النفسية والاجتماعية من ناحية أخرى.
ولا يمكن تعميم هذه النتائج على كل الشباب أو اعتبارها دليلًا على أن مواقع التواصل تسبب هذه المشاعر بصورة مباشرة؛ فالنتائج ترصد ارتباطات وتجارب أبلغ عنها المشاركون، وتتأثر بعوامل مختلفة، منها طبيعة المحتوى والظروف الشخصية والاجتماعية.
الهاتف قبل النوم.. هل يحتاج الشباب إلى تغيير روتينهم؟
يمثل النوم والتركيز محورًا آخر في النقاش حول العادات الرقمية. فاستمرار استخدام الهاتف حتى وقت متأخر قد يؤخر موعد النوم أو يجعل الابتعاد عن المحتوى أكثر صعوبة، خاصة عند تلقي الإشعارات أو متابعة مقاطع متتابعة.
وأشارت المفوضية الأوروبية إلى أن ارتفاع مدة التعرض للشاشات ارتبط بأعراض تتعلق بالنوم والتركيز والصحة البدنية في نتائج استطلاعها لعام 2026. لكن العلاقة بين الاستخدام والصحة ليست واحدة لدى جميع الأشخاص؛ إذ تتأثر بالمدة والتوقيت ونوع المحتوى والأنشطة التي يحل الهاتف محلها.
ومن التغييرات التي يمكن اختبارها عمليًا وضع الهاتف بعيدًا عن السرير، وإيقاف الإشعارات غير الضرورية ليلًا، وتخصيص فترة خالية من الشاشات قبل النوم. وتظل هذه خطوات تنظيمية عامة، وليست بديلًا عن التقييم المتخصص إذا كانت هناك مشكلة مستمرة في النوم أو الصحة النفسية.
الذكاء الاصطناعي.. من أداة مساعدة إلى عادة يومية
لم تعد العادات الرقمية مرتبطة بمواقع التواصل وحدها؛ فالذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من تجربة الشباب في الدراسة والبحث والكتابة والعمل. وأظهر استطلاع عالمي نشرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» في أغسطس 2026، عبر منصة U-Report، أن 66% من المشاركين يستخدمون الذكاء الاصطناعي عدة مرات أسبوعيًا على الأقل.
وشمل الاستطلاع أكثر من 211,300 مشاركة من 119 دولة، وأبرز اهتمام الشباب بتحسين الوصول إلى الإنترنت، وحماية الخصوصية، وتعزيز الأمان والمهارات الرقمية، إلى جانب مطالبة شركات التكنولوجيا والحكومات بمزيد من المساءلة والاهتمام بالرفاه الرقمي.
ولا تعني كثافة الاستخدام بالضرورة وجود مشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في التعلم والوصول إلى المعلومات وإنجاز المهام. لكن الاستخدام الواعي يتطلب التحقق من المعلومات، وحماية البيانات الشخصية، وعدم التعامل مع الإجابات الآلية باعتبارها صحيحة دائمًا، أو الاعتماد عليها بدلًا من التفكير والتعلم المستقل.
هل يتجه الشباب إلى تقليل استخدام التكنولوجيا أم تغيير طريقة استخدامها؟
تشير الدراسات إلى أن الحل لا يقتصر بالضرورة على تقليل عدد الساعات أو منع استخدام المنصات، بل يشمل تحسين طريقة تصميمها، وتعزيز أدوات التحكم في المحتوى والإشعارات، وتوفير حماية أكبر للخصوصية، ومساعدة المستخدمين على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا.
ويكشف تقرير الحكومة البريطانية لعام 2026 عن تباين في آراء الشباب بشأن فرض حظر شامل على استخدام مواقع التواصل لمن هم دون 16 عامًا؛ إذ أيد 29% من المشاركين في الاستطلاع حظرًا كاملًا، بينما رأى 48% أنه ينبغي السماح باستخدام بعض المنصات دون غيرها. وأبدى المشاركون في الأنشطة النقاشية اهتمامًا أكبر بإجراء تغييرات تستهدف الخصائص التي يرونها ضارة، مثل التصميم الذي يشجع على الاستخدام المتواصل والمحتوى غير الملائم.
وتظل هذه النتائج مرتبطة بالسياق البريطاني، لكنها تفتح بابًا لنقاش أوسع حول ما إذا كان الشباب يريدون الابتعاد عن التكنولوجيا أم يريدون بيئة رقمية تمنحهم تحكمًا أكبر في وقتهم وبياناتهم وما يشاهدونه.
ومع اقتراب عام 2027، يمكن أن تبدأ مراجعة العادات الرقمية بخطوات بسيطة، مثل معرفة الوقت الفعلي الذي يستغرقه التصفح، وإيقاف الإشعارات غير الضرورية، وتخصيص أوقات للتركيز والنوم بعيدًا عن الهاتف، والتحقق من المعلومات قبل مشاركتها. أما معرفة العادات التي يرغب الشباب المصري تحديدًا في تغييرها، فتحتاج إلى استطلاع محلي ومقابلات مباشرة؛ لأن الدراسات الدولية لا تكفي وحدها لرسم صورة دقيقة عن تجاربهم وتطلعاتهم.