من دفاتر النجوم.. كيف صنعت عبلة كامل مكانتها بعيدًا عن الأضواء؟

عبلة كامل
عبلة كامل

لكل فنان حكاية خاصة، ومحطات صنعت ملامح مشواره، وأعمال تركت بصمتها في ذاكرة الجمهور، فخلف كل اسم لامع رحلة مليئة بالتفاصيل والتجارب التي شكلت مسيرته الفنية.

 وفي هذا السياق، يفتح لكم "وشوشة" صفحات من دفاتر النجوم، لنعود إلى البدايات الأولى لأبرز الفنانين، ونرصد المحطات الفارقة في مشوارهم، ونكشف الحكايات التي صنعت نجوميتهم، والأدوار التي حفرت أسماءهم في ذاكرة الجمهور، في رحلة تحمل بين تفاصيلها أسرار النجاح وحكايات لا تُنسى.

ومن بين الفنانات اللاتي استطعن ترك بصمة خاصة في وجدان الجمهور، تبرز عبلة كامل، التي ارتبط اسمها بالأداء العفوي والشخصيات القريبة من حياة الناس، فاستطاعت أن تصنع لنفسها مكانة مميزة بعيداً عن المبالغة أو السعي المستمر وراء الأضواء، وعلى الرغم من ابتعادها عن المشاركة في الأعمال الدرامية لسنوات، ظلت أعمالها حاضرة في ذاكرة المشاهدين، وبقيت أخبارها محل اهتمام وتساؤل، في حكاية تجمع بين النجاح الفني والخصوصية والابتعاد عن صخب الشهرة.

ولدت عبلة كامل في قرية نكلا العنب التابعة لمركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة، وتخرجت من كلية الآداب قسم المكتبات عام 1984، قبل أن تبدأ رحلتها الفنية من خشبة المسرح، حيث شاركت في مونودراما "نوبة صحيان"، لتفتح أمامها هذه التجربة الباب نحو عالم التمثيل، وتنتقل بعدها إلى تجارب مسرحية أخرى، من بينها تعاونها مع الفنان محمد صبحي في مسرحية "وجهة نظر"، ثم مشاركاتها في أعمال ارتبطت بالمؤلف لينين الرملي.

لم تكن بداية عبلة كامل قائمة على البطولة المطلقة أو الحضور الصاخب، لكنها اعتمدت على التدرج في اختيار أدوارها، وقدرتها على تقديم شخصيات متنوعة تحمل تفاصيل إنسانية واضحة وجاءت مشاركتها في فيلم "وداعاً بونابارت" للمخرج يوسف شاهين ضمن المحطات المبكرة في مشوارها السينمائي، لتواصل بعدها العمل في أفلام ومسلسلات رسخت حضورها، وتمنحها فرصة لإثبات موهبتها في أدوار مختلفة.

ومع مرور السنوات، اتسعت مساحة حضورها الفني، وأصبحت واحدة من الوجوه التي يترقب الجمهور ظهورها على الشاشة، خاصة بعدما قدمت شخصيات تركت أثراً واضحاً في الدراما المصرية، وجاء مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" عام 1996 ليشكل إحدى أبرز محطات مشوارها، إذ جسدت شخصية فاطمة، زوجة عبد الغفور البرعي، وقدمت نموذجاً للزوجة والأم التي تجمع بين البساطة والقوة والقدرة على احتواء أسرتها، في أداء ساهم في استمرار ارتباط الجمهور بالعمل وشخصياته حتى اليوم.

ولم يتوقف نجاح عبلة كامل عند هذا العمل، فقد شاركت في مجموعة كبيرة من المسلسلات التي تنوعت بين الدراما الاجتماعية والتاريخية، من بينها "ليالي الحلمية"، و"امرأة من زمن الحب"، و"حديث الصباح والمساء"، و"أين قلبي"، و"ريا وسكينة"، الذي قدمت فيه شخصية ريا، وصولاً إلى مسلسل "سلسال الدم"، الذي جسدت خلاله شخصية نصرة، وهي من الشخصيات التي ارتبط بها الجمهور على مدار أجزاء العمل وقد ساعدها هذا التنوع على الانتقال بين أنماط مختلفة من الأداء، من الشخصيات الشعبية إلى الأدوار المركبة التي تتطلب حضوراً قوياً وقدرة على التعبير عن التحولات النفسية والاجتماعية.

وبالتوازي مع نجاحها التلفزيوني، امتلكت عبلة كامل رصيداً سينمائياً متنوعاً، شاركت من خلاله في أفلام تركت حضوراً لدى الجمهور، من بينها "التعويذة"، و"يوم مر ويوم حلو"، و"سيداتي آنساتي"، و"سواق الهانم"، و"سارق الفرح"، و"اللمبي"، و"كلم ماما"، و"خالتي فرنسا"، و"عودة الندلة"، و"بلطية العايمة"، و"الكبار".

 ولم تقتصر موهبتها على التمثيل أمام الكاميرا، بل امتدت إلى الأداء الصوتي، إذ شاركت بصوت شخصية دوري في النسخة العربية من فيلم الرسوم المتحركة "البحث عن نيمو"، كما شاركت بصوتها في فيلم الرسوم المتحركة المصري "الفارس والأميرة".

وعلى المستوى الشخصي، تزوجت عبلة كامل من الفنان أحمد كمال، وأنجبت منه ابنتيها التوأم زينب وفاطمة، قبل انفصالهما، ثم تزوجت عام 2003 من الفنان محمود الجندي، لكن الزواج انتهى بالانفصال عام 2005 وفي العام نفسه، ارتدت الحجاب، واستمرت في عملها الفني، مؤكدة من خلال اختياراتها أن تغيير مظهرها لم يكن سبباَ في توقفها عن التمثيل، إذ واصلت تقديم أدوار متنوعة في السينما والتلفزيون.

لكن المسار الفني الذي شهد هذا الحضور اللافت اتخذ اتجاهاً مختلفاً مع تراجع ظهورها تدريجياَ، حتى أصبحت مشاركاتها محدودة، وكان مسلسل "سلسال الدم" من أبرز أعمالها التلفزيونية المتأخرة، إذ قدمت شخصية نصرة على مدار أجزاء العمل، ومع ابتعادها عن الأعمال الجديدة، بدأت التساؤلات تتزايد حول أسباب غيابها، وظهرت شائعات متعددة بشأن اعتزالها أو تعرضها لأزمات صحية، من دون أن يصدر عنها توضيح مباشر يحسم تلك الأقاويل.

وفي ظل استمرار الاهتمام بغيابها، تحدث عدد من المقربين منها عن موقفها من العودة إلى التمثيل وقال الفنان أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، في تصريحات سابقة، إن قرار الابتعاد يعود إليها، مشيراً إلى أنها عبّرت عن شعورها بالتعب وعدم الرغبة في الظهور خلال تلك الفترة، كما أوضح أنها اعتذرت عن التكريم في إحدى دورات مهرجان الدراما، مفضلة تأجيل الأمر إلى وقت لاحق.

من جانبه، تحدث الفنان أحمد كمال، والد ابنتيها، عن ابتعادها عن العمل، موضحاَ أن إيقاع الحياة الفنية المرهق لم يعد مناسباً لها، وأن احتمال عودتها يظل مرتبطاً برغبتها وشعورها بالحماس من جديد وجاءت هذه التصريحات لتقدم جانباً من الصورة، من دون أن تعني إعلاناً رسمياً باعتزالها الفن نهائياً، وهو ما أبقى باب التساؤلات مفتوحًا بشأن مستقبلها الفني.

ورغم غيابها عن المسلسلات والأفلام لسنوات، لم يغب اسم عبلة كامل عن المشهد، إذ ظل الجمهور يستعيد مشاهدها وشخصياتها، ويتابع ما يُنشر عنها من أخبار كما عادت إلى دائرة الاهتمام بعد إعلان تلفزيوني لشركة فودافون عرض خلال شهر رمضان عام 2026، وظهرت فيه إلى جانب الفنانتين ياسمين عبد العزيز ومنة شلبي، في ظهور لفت انتباه جمهورها وأعاد الحديث عن إمكانية رؤيتها مجدداً أمام الكاميرا.

وفي سياق الاهتمام برعاية الفنانين أصحاب التاريخ الفني، أعلنت نقابة المهن التمثيلية شكرها للرئيس عبد الفتاح السيسي، عقب توجيهاته برعاية كبار الفنانين وتكفل الدولة بعلاجهم، وكان اسم عبلة كامل من بين الأسماء التي ارتبطت بهذا الإعلان وأكدت النقابة في بيانها تقديرها لما قدمه الفنانون من إسهامات في إثراء الوجدان المصري والعربي، مشددة على أهمية رعاية أصحاب المسيرة الفنية الممتدة.

وتبقى حكاية عبلة كامل مختلفة عن قصص كثيرة في الوسط الفني؛ فنجاحها لم يرتبط بكثرة الظهور الإعلامي، بل بأدوار عاشت طويلاً مع الجمهور، وشخصيات بدت قريبة من البيوت المصرية بتفاصيلها ومواقفها وانفعالاتها، وبين مشوار حافل بالأعمال والاختيارات الفنية، وقرار الابتعاد الذي فضلت الاحتفاظ بتفاصيله لنفسها، تستمر عبلة كامل واحدة من الفنانات اللاتي يثير غيابهن الاهتمام، وتؤكد تجربتها أن بعض النجوم يستطيعون البقاء في الذاكرة حتى عندما يختارون الابتعاد عن الأضواء.

تم نسخ الرابط