وراء ملامح الشر.. حكاية نعيمة الصغير التي لا يعرفها كثيرون
تحل اليوم ذكرى رحيل الفنانة نعيمة الصغير، التي غادرت عالمنا في عام 1991، بعدما نجحت في ترسيخ اسمها كواحدة من أبرز الفنانات اللاتي قدمن أدوار الشر في السينما المصرية، بفضل ملامحها الحادة وصوتها الأجش وأدائها الذي جمع بين القسوة والكوميديا، لتظل شخصياتها حاضرة في ذاكرة الجمهور، خاصة دورها الشهير "الكاتعة" في فيلم "العفاريت".
وفي هذا السياق، يرصد لكم "وشوشة" أبرز المحطات في حياة نعيمة الصغير، من بدايتها مطربة تقدم المونولوجات والأغاني، إلى تحولها لواحدة من أشهر نجمات أدوار الشر على الشاشة.
نعيمة الصغير.. الاسم الذي ارتبط بشخصيات لا تُنسى
وُلدت نعيمة عبد المجيد عبد الجواد، المعروفة فنيًا باسم نعيمة الصغير، عام 1931، واكتسبت اسمها الفني من زوجها المطرب الشعبي الراحل محمد الصغير، لتبدأ رحلة فنية طويلة امتدت لسنوات، تنقلت خلالها بين الغناء والسينما.
ورغم ارتباط اسمها لدى قطاع كبير من الجمهور بأدوار المرأة القاسية والحماة المتسلطة وتاجرة المخدرات، فإن بدايتها الفنية كانت مختلفة تمامًا، إذ ظهرت في البداية بصوت غنائي، قبل أن تصبح واحدة من الوجوه المميزة في أدوار الشر، مستفيدة من حضورها القوي وقدرتها على ترك بصمة واضحة في كل شخصية تقدمها.
من المونولوجات إلى السينما.. بداية المشوار الفني
بدأت نعيمة الصغير مشوارها الفني بتقديم المونولوجات إلى جانب زوجها، وشاركت في فرقة إبراهيم حمودة، كما عملت مع فرقة إسماعيل يس، قبل أن يتجه اهتمامها بصورة أكبر إلى السينما، التي أصبحت المجال الأبرز في مسيرتها.
وقدمت الفنانة خلال مشوارها عددًا كبيرًا من الشخصيات السينمائية، وامتدت رحلتها الفنية لنحو أربعة عقود، بداية من أواخر أربعينيات القرن الماضي، لتصبح من الفنانات اللاتي استطعن الاستمرار في الساحة الفنية وتقديم أدوار متنوعة، رغم ارتباط صورتها لدى الجمهور بنمط محدد من الشخصيات.
نعيمة الصغير في الإذاعة.. صوت حاضر قبل الشهرة السينمائية
لم يقتصر حضور نعيمة الصغير على السينما، إذ تقدمت عام 1954 إلى لجنة اختبارات الإذاعة المصرية، التي كان يرأسها حافظ عبد الوهاب، وبدأت تقديم المونولوجات إلى جانب عدد من الفنانين، من بينهم عزيزة فهمي وكوكا، كما تركت تسجيلات غنائية كشفت عن جانب مختلف من موهبتها.
وكانت هذه المرحلة امتدادًا لبدايتها كمطربة، قبل أن تتغير طبيعة الأدوار التي تعرض عليها، ويصبح صوتها وملامحها جزءًا من الصورة الفنية التي عرفها بها الجمهور لاحقًا.
"اليتيمتين".. البداية التي سبقت أدوار الشر
شهد فيلم "اليتيمتين"، الذي عُرض عام 1948 وشارك في بطولته فاتن حمامة وفاخر فاخر، إحدى البدايات السينمائية لنعيمة الصغير، حيث ظهرت خلاله وهي تؤدي أغنية "طب وأنا مالي"، في تجربة عكست جانبًا مختلفًا من شخصيتها الفنية بعيدًا عن أدوار الشر التي اشتهرت بها فيما بعد.
وتتداول روايات عن تعرضها لموقف مؤلم خلال بداياتها الغنائية، إذ قيل إن إحدى زميلاتها وضعت لها مادة سامة في مشروب، ما تسبب في تضرر أحبالها الصوتية وتغير نبرة صوتها لكن هذه الرواية تحتاج إلى مصدر موثق لتأكيد تفاصيلها، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقيقة محسومة.
ومع مرور الوقت، أصبح صوت نعيمة الصغير الأجش ونبرتها الحادة من أبرز السمات التي ميزت أداءها، واستثمر المخرجون هذه الخصائص في إسناد شخصيات شريرة إليها، لتتحول سمة صوتها إلى جزء أساسي من حضورها على الشاشة.
"الكاتعة".. الشخصية التي رسخت صورتها في أذهان الجمهور
من أبرز الأدوار التي ارتبطت باسم نعيمة الصغير شخصية "الكاتعة" في فيلم "العفاريت"، إذ قدمت نموذجًا للمرأة القاسية ذات الملامح المخيفة والحضور الطاغي، في أداء ساهم في جعل الشخصية واحدة من العلامات البارزة في مسيرتها.
وبرعت الفنانة في تجسيد الشخصيات التي تجمع بين الشر والحدة، سواء كانت أمًا قاسية أو حماة متسلطة أو امرأة تعمل في أنشطة إجرامية، كما امتلكت قدرة على إضافة لمسة كوميدية إلى بعض هذه الأدوار، وهو ما منح أداءها طابعًا مميزًا يصعب الخلط بينه وبين أداء فنانة أخرى.
أبرز أفلام نعيمة الصغير.. رصيد سينمائي حافل
شاركت نعيمة الصغير في مجموعة كبيرة من الأفلام التي تنوعت موضوعاتها وشخصياتها، ومن أبرزها "العفاريت"، و"الشقة من حق الزوجة"، و"شفيقة ومتولي"، و"إسكندرية ليه"، و"المشبوه"، و"حب في الزنزانة"، و"شهد الملكة"، و"رمضان فوق البركان"، و"الزمار"، و"البدرون"، و"لعدم كفاية الأدلة"، و"جري الوحوش"، و"أيام الرعب"، و"عليش دخل الجيش"، و"ليل وخونة".
كما ظهرت في أفلام أخرى، من بينها "مولد يا دنيا"، و"شلة الأنس"، و"سونيا والمجنون"، و"مكالمة بعد منتصف الليل"، و"مع سبق الإصرار"، و"قهوة المواردى"، لتقدم عبر هذه الأعمال نماذج متعددة من الشخصيات التي اعتمدت في كثير منها على تعبيرات وجهها ونبرة صوتها القوية.
ورغم أن أدوار الشر كانت الأكثر التصاقًا باسمها، فإن استمرارها في السينما لسنوات طويلة يعكس قدرتها على التعامل مع أنماط مختلفة من الأدوار، والحفاظ على حضورها وسط أجيال متعددة من الفنانين.
نعيمة الصغير في الإعلانات.. وجه لا يُنسى على الشاشة
امتد حضور نعيمة الصغير إلى الإعلانات التلفزيونية، إذ ظهرت في حملات دعائية لعدد من المنتجات، من بينها إعلان لمرقة الدجاج التابعة لشركة "كوين"، كما شاركت في إعلان لبسكويت موجه للأطفال.
وفي إعلان مرقة الدجاج، ظهرت وهي تروج للمنتج بعبارة "أنا مش تخينة مع شوربة كوين"، بينما اعتمد إعلان البسكويت على ملامحها القوية التي كانت جزءًا من صورتها المعروفة لدى الجمهور.
وعلى الرغم من الطابع المخيف الذي اتسم به ظهورها في الإعلان الموجه للأطفال، فإن مشاركتها حققت حضورًا لافتًا، لتثبت أن ملامحها التي ارتبطت بأدوار الشر تحولت إلى علامة مميزة يسهل التعرف عليها حتى خارج الأعمال الدرامية.
رحيل نعيمة الصغير وبقاء بصمتها الفنية
رحلت نعيمة الصغير عام 1991، لكنها تركت وراءها رصيدًا من الأعمال التي لا تزال تستحضرها ذاكرة السينما المصرية، خاصة الشخصيات التي قدمتها بملامحها الحادة وصوتها المختلف وأدائها الذي جمع بين التخويف والكوميديا.
وبين بدايتها الغنائية وشهرتها في أدوار الشر، صنعت نعيمة الصغير لنفسها مكانة خاصة في تاريخ الفن المصري، لتبقى واحدة من الفنانات اللاتي أثبتن أن الشخصية المميزة قد تظل عالقة في أذهان الجمهور حتى بعد مرور سنوات طويلة على رحيل صاحبتها.