كاد أن يتغير مساره بالكامل.. ماذا حدث وراء عرض فيلم "مراتي مدير عام"؟
تحل اليوم ذكرى عرض فيلم "مراتي مدير عام"، الذي عرض عام 1966 في دور السينما المصرية، ليصبح واحدًا من أبرز الأعمال الكوميدية التي ناقشت قضية المرأة العاملة وعلاقتها بزوجها داخل محيط العمل، ولم تقتصر حكاية الفيلم على نجاحه الفني، بل امتدت إلى تفاصيل مثيرة عن كواليس كتابة السيناريو، والتغييرات التي طرأت على اختيار البطل، وموقف غير متوقع من الفنان رشدي أباظة قبل انطلاق التصوير.
وفي هذا السياق، يرصد لكم "وشوشة" حكاية فيلم "مراتي مدير عام"، بداية من الفكرة التي استلهمها الكاتب عبد الحميد جودة السحار من واقعة واقعية، مرورًا بأزمة كتابة السيناريو، وصولًا إلى المفاجأة التي حضر بها رشدي أباظة إلى موقع التصوير، في موقف خالف توقعات فريق العمل.
فيلم "مراتي مدير عام".. قصة واقعية وراء الفكرة
عرض فيلم "مراتي مدير عام" عام 1966 في دار سينما ريفولي بالقاهرة وسينما ستراند بالإسكندرية، وشارك في بطولته شادية وصلاح ذو الفقار وتوفيق الدقن وكريمان وشفيق نور الدين، إلى جانب عادل إمام الذي كان في بدايات مشواره الفني، وجاء الفيلم عن قصة للكاتب عبد الحميد جودة السحار، وكتب السيناريو سعد الدين وهبة، بينما تولى فطين عبد الوهاب مهمة الإخراج.
واستطاع الفيلم أن يحجز مكانة مميزة في تاريخ السينما المصرية، إذ جاء في المرتبة الخامسة والثلاثين ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، مستفيدًا من تقديم قضية اجتماعية في قالب كوميدي اعتمد على المفارقات الناتجة عن تغير الأدوار بين الزوج والزوجة.
وتعود بداية الفكرة إلى حكاية المذيعة آمال فهمي، التي تولت رئاسة إذاعة الشرق الأوسط، بينما كان زوجها محمد علوان يعمل كبيرًا للمخرجين ومستشارًا للإذاعة، لتصبح مسؤولة عنه في محيط العمل، وقد لفتت هذه المفارقة انتباه عبد الحميد جودة السحار، فاستلهم منها قصة تناولت فكرة تولي الزوجة منصبًا إداريًا أعلى من زوجها.
وكان الاسم الأول للعمل "مراتي درجة تانية"، قبل أن يتغير لاحقًا إلى "مراتي مدير عام"، وهو العنوان الذي ارتبط بالفيلم وأصبح جزءًا من حضوره في ذاكرة الجمهور.
كيف تغير سيناريو "مراتي مدير عام"؟
كشف الكاتب سعد الدين وهبة، في روايته عن ظروف إعداد الفيلم، أن الفكرة بدأت بعد انتهائه من كتابة سيناريو فيلم "الحرام"، عندما سأل المنتج منير رفلة عن مشروعاته المقبلة، فأخبره بوجود قصة لعبد الحميد جودة السحار تحمل اسم "مراتي درجة تانية"، وتدور حول امرأة تتولى رئاسة زوجها في العمل.
أعجب سعد الدين وهبة بالفكرة، خاصة أن الفنانة شادية كانت تبحث في ذلك الوقت عن فيلم كوميدي جديد، فحدثها عن القصة، وأبدت حماسها لتقديمها. وبعد ذلك، جرى الاستعانة بالكاتب علي الزرقاني لإعداد المعالجة السينمائية، مع تغيير اسم العمل إلى "مراتي مدير عام".
لكن المشروع واجه أزمة بعدما انتهى علي الزرقاني من كتابة المعالجة، إذ اجتمع سعد الدين وهبة مع شادية وصلاح ذو الفقار والمخرج فطين عبد الوهاب في مكتبه باستوديو الأهرام لقراءتها، إلا أنها لم تحظَ بإعجابهم.
ووفقًا لرواية سعد الدين وهبة، عبّر فطين عبد الوهاب عن خيبة أمله في المعالجة، معتبرًا أن الفيلم أصبح مهددًا بالفشل عندها قرر وهبة أن يتولى كتابة السيناريو بنفسه، رغم أنه لم يكن قد قرأ القصة الأصلية كاملة، معتمدًا على الفكرة الأساسية التي تقوم على أن تصبح الزوجة رئيسة لزوجها في العمل.
سعد الدين وهبة يكتب السيناريو في المنزل
بعد اتخاذ قراره، عاد سعد الدين وهبة إلى منزله وبدأ العمل على السيناريو، موضحًا أنه كان يخصص ثلاث ساعات ليلًا وساعة بعد الغداء يوميًا حتى انتهى من الكتابة.
ورغم ابتعاد السيناريو النهائي عن تفاصيل القصة الأصلية، حرص وهبة على وضع اسم عبد الحميد جودة السحار باعتباره صاحب الفكرة التي انطلق منها الفيلم. وعندما سأله السحار عن سبب كتابة اسمه على العمل، أوضح له وهبة أن الأساس الذي بُني عليه الفيلم يعود إلى فكرته.
وبحسب ما رواه سعد الدين وهبة، فإن عبد الحميد جودة السحار أشاد بالفيلم بعد عرضه، وأخبره بأنه استطاع من خلاله التعبير عن وجهة نظره في المرأة وعالمها، وهو ما عكس اختلاف المعالجة السينمائية عن القصة الأصلية مع الاحتفاظ بجوهر الفكرة.
رشدي أباظة كان بطل الفيلم قبل صلاح ذو الفقار
لم تتوقف المفاجآت المرتبطة بالفيلم عند كتابة السيناريو، بل امتدت إلى اختيار البطل. فقد كان الفنان رشدي أباظة مرشحًا لتجسيد دور الزوج أمام شادية، خاصة بعد النجاح الذي حققه الاثنان في فيلم "الزوجة 13"، وهو ما شجع المنتجين والمخرجين على التفكير في جمعهما مجددًا.
وعندما اشترى المنتج حلمي رفلة قصة "مراتي درجة تانية" من عبد الحميد جودة السحار، وقع الاختيار على رشدي أباظة لأداء دور الزوج، وجرى الاتفاق معه على أجر بلغ أربعة آلاف جنيه، حصل منها على ألفي جنيه مقدمًا، مع تحديد موعد التصوير.
لكن زواج شادية من صلاح ذو الفقار غير مسار المشروع، إذ كان صلاح قد كوّن شركة إنتاج مع أشقائه، واتجه بعد زواجهما إلى تقديم مجموعة من الأفلام التي تجمعه بزوجته. وعندما أعجب بقصة "مراتي مدير عام"، قرر إنتاج الفيلم والمشاركة في بطولته بدلًا من رشدي أباظة.
ووجد فريق العمل نفسه أمام موقف حساس، إذ لم يجرؤ أحد على إبلاغ رشدي أباظة بالتغيير، خاصة مع شهرته بسرعة الانفعال، الأمر الذي جعل العاملين يتوقعون حدوث أزمة عند معرفته بأن الدور الذي اتفق عليه أصبح من نصيب صلاح ذو الفقار.
موقف رشدي أباظة المفاجئ في أول يوم تصوير
مع بداية التصوير في استوديو نحاس، فوجئ العاملون بحضور رشدي أباظة إلى الاستوديو، دون علم شادية وصلاح ذو الفقار وسادت حالة من القلق بين الموجودين، بعدما توقعوا أن يتسبب حضوره في مشكلة بسبب استبعاده من البطولة.
لكن المفاجأة جاءت على عكس توقعات الجميع؛ إذ دخل رشدي أباظة إلى البلاتوه حاملًا باقة من الزهور، ومعه مبلغ العربون الذي حصل عليه، وقدره ألفا جنيه، وقدم التهنئة لشادية وصلاح ذو الفقار بمناسبة زواجهما وبدء تصوير الفيلم.
وبدلًا من الاعتراض على التغيير أو إثارة أزمة في موقع التصوير، اختار رشدي أباظة أن ينهي الموقف بطريقة ودية، في تصرف أظهر جانبًا مختلفًا من شخصيته، وتحول إلى واحدة من الحكايات اللافتة المرتبطة بظروف إنتاج الفيلم.
ماذا تناول فيلم "مراتي مدير عام"؟
تدور أحداث الفيلم حول مهندس يعمل في إحدى الشركات، قبل أن يفاجأ بتعيين زوجته مديرة عامة في المكان نفسه، لتصبح مسؤولة عنه إداريًا.
ومن هنا تبدأ سلسلة من المواقف الكوميدية التي تكشف تأثير تغير المناصب على العلاقة الزوجية، وعلى تعامل الزوج مع زملائه ورؤسائه في العمل.
وتتسع المفارقات مع دخول عدد من الشخصيات إلى الأحداث، من بينهم توفيق الدقن وعادل إمام ويوسف شعبان وشفيق نور الدين وكريمان، إذ تتباين ردود أفعال العاملين تجاه الوضع الجديد، وتتداخل العلاقات المهنية مع الحياة الخاصة للزوجين.
وقدم الفيلم قضية المرأة العاملة من زاوية كوميدية، إذ ناقش نظرة المجتمع إلى المرأة عندما تتولى منصبًا قياديًا، وما قد يترتب على ذلك من تغيرات في التعامل داخل الأسرة ومكان العمل، دون التخلي عن الطابع الترفيهي الذي ميّز العمل.
شادية وصلاح ذو الفقار.. زواج جمعهما أمام الكاميرا
ارتبط فيلم "مراتي مدير عام" بمرحلة مهمة في العلاقة الشخصية والفنية بين شادية وصلاح ذو الفقار، بعدما التقيا في فيلم "عيون سهرانة"، الذي كان من أوائل أدوار صلاح ذو الفقار عقب استقالته من الشرطة.
وبعد زواجهما، اتفق أشقاء صلاح ذو الفقار على تأسيس شركة إنتاج لتقديم أعمال سينمائية تجمعه بشادية، وكان "مراتي مدير عام" من أبرز الأفلام التي جاءت ضمن هذه التجربة.
وشكل العمل فرصة لظهور الثنائي في إطار كوميدي، يجمع بين العلاقة الزوجية في الحياة الواقعية والمفارقات التي يفرضها السيناريو على الشخصيتين داخل الأحداث، ليصبح الفيلم إحدى المحطات البارزة في مسيرتهما المشتركة.