حكاوي زمان.. تفاصيل أول حب في حياة يوسف وهبي
رغم مرور السنين، وتغير الملامح، وتطور الحياة، يظل القلب متعلقًا بتلك الأيام التي رحلت؛ بزمن كانت فيه البساطة عنوانًا، وكانت الضحكة تخرج من القلب، وكانت حكايات الفن تروى على مهل وتصنع بصدق نشتاق إلى تلك الأيام وكأنها الوطن، نسترجعها في الأغاني القديمة، ومشاهد الأبيض والأسود، وحكايات النجوم الذين رحلوا بالجسد، لكنهم ظلوا أحياء في الذاكرة.
ومن هذا الحنين الجميل، يأخذكم "وشوشة" كل أسبوع في رحلة إلى زمن الطرب الأصيل والدراما الحقيقية، من خلال سلسلة "حكاوي زمان"، التي نفتح فيها دفاتر الفن الجميل، ونستعرض خلالها كواليس ونجاحات ومآسي وذكريات منسية عن نجوم صنعوا مجد الفن وتركوا بصمتهم التي لا تمحى.
وحكاية اليوم عن الفنان يوسف وهبي، أحد أبرز رموز المسرح والسينما المصرية، والذي لم تكن حياته مجرد رحلة فنية، بل كانت مليئة بالحكايات والمواقف التي تكشف جوانب مختلفة من شخصيته منذ طفولته.
ارتبط اسم يوسف وهبي على مدار سنوات طويلة بالمسرح، وبالجملة الشهيرة "وما الدنيا إلا مسرح كبير"، التي أصبحت من أكثر العبارات ارتباطًا به، لما تحمله من رؤية فلسفية للحياة، وكأن الإنسان يؤدي دورًا في مسرح كبير تتغير مشاهده وشخصياته باستمرار، إلى أن يصل العرض إلى نهايته.
ولم يكن يوسف وهبي مجرد ممثل يقف أمام الجمهور، بل أصبح مع مرور الوقت صاحب مدرسة فنية خاصة، جمع خلالها بين قوة الحضور وفخامة الأداء، وترك وراءه تجربة امتدت بين المسرح والسينما، جعلت اسمه واحدًا من أبرز رموز الفن المصري لكن قبل كل ذلك، كان هناك طفل صغير لم يكن يعرف أن المسرح سيصبح يومًا عالمه الحقيقي.
بدأت الحكاية عندما شاهد يوسف وهبي، وهو لا يزال في طفولته، الفنان اللبناني سليم القرداحي يؤدي شخصية "عطيل" على خشبة المسرح، فكانت المشاهدة الأولى كفيلة بأن تترك داخله انبهارًا كبيرًا، وتفتح أمامه بابًا لم يكن يتوقع أنه سيقوده إلى واحدة من أطول الرحلات الفنية في تاريخ المسرح المصري.
عاد يوسف إلى المنزل وهو يحمل هذا الشغف الجديد، ولم يكتفِ بما شاهده، بل حاول أن يصنع مسرحه الخاص داخل غرفته، فحوّل سريره إلى خشبة للتمثيل، واستخدم الناموسية وكأنها ستارة مسرح، ليبدأ من هذه الفكرة البسيطة في تقليد ما شاهده على الخشبة.
ومع الوقت، بدأ يجمع عددًا من أصدقائه حوله، وراحوا يقدمون عروضًا مسرحية بسيطة فوق سطح المنزل، وكان يوسف يؤدي بعض الأدوار التي أثارت إعجابه، ومن بينها شخصية "عطيل".
وفي تلك الفترة، تعرف يوسف وأصدقاؤه على النجار فؤاد النجار، الذي كان لديه هو الآخر شغف بالمسرح، فبدأ يمدهم ببعض النصوص المسرحية حتى يتمكنوا من تقديم عروض جديدة، ومن بينها "روميو وجولييت" و"شهداء الغرام".
لكن وجود الأدوار النسائية كان يمثل أزمة بالنسبة إلى المجموعة الصغيرة، خاصة أنه لم تكن بينهم فتاة للمشاركة في العروض، فكان أحد الأولاد يتولى أداء الأدوار النسائية.
واستمر الأمر إلى أن اكتشف والد يوسف ما يفعله نجله، فكان رد فعله قاسيًا، واعتدى عليه بالضرب حتى فقد وعيه، لتتبدل أجواء المرح والاستعداد للعرض إلى حالة من الخوف والقلق بين يوسف وأصدقائه.
وفي الوقت الذي كانوا يبحثون فيه عن فتاة تشاركهم العرض، جاء الحل على يد فؤاد النجار، الذي أحضر لهم فتاة تدعى "برلنتي"، لتشارك المجموعة في المسرحية وتؤدي الدور النسائي.
ومن هنا بدأت حكاية أخرى لم تكن مرتبطة بالمسرح وحده، إذ تركت برلنتي أثرًا مختلفًا في حياة يوسف وهبي، بعدما أصبح بينهما إعجاب ومشاعر مبكرة لم يكن الطفل وقتها قادرًا على فهمها بشكل كامل.
كانت برلنتي تكبر يوسف وهبي بعامين، وتميزت بعينيها الخضراوين، ومع مشاركتها في العرض بدأت تقترب منه، حتى إنها امتلكت الجرأة للاعتراف له بمشاعرها.
ورغم صغر سن يوسف، فإنه شعر بالسعادة تجاه اهتمامها به، لتصبح تلك الفتاة أول حكاية عاطفية تحتفظ بها ذاكرته، قبل أن يعرف الشهرة وقبل أن يصبح اسمه واحدًا من أشهر الأسماء في عالم الفن.
لكن الحكاية لم تستمر طويلًا، إذ اضطرت برلنتي إلى الرحيل عن المدينة مع والدها، وانقطعت أخبارها عن يوسف، لتنتهي مرحلة من طفولته دون أن يعرف ماذا حدث لها بعد ذلك.
وبعد فترة طويلة، وصل إلى يوسف وهبي خبر عن برلنتي، وعلم أنها تزوجت وهي في الرابعة عشرة من عمرها، لتنتهي بذلك قصة الحب الطفولية التي بدأت بينهما على سطح منزل، وسط مسرحيات يؤديها مجموعة من الأطفال.

