عقدة البطل.. ما وراء الرغبة القهرية في إصلاح ما أفسده الآخرون

وشوشة

كشفت الدكتورة دينا العالم، المتخصصة في علم النفس الإكلينيكي والمعالجة النفسية، عبر حسابها الرسمي والموثق على منصة "إنستغرام" (dinaelalimofficial)، عن الأبعاد السيكولوجية الخفية وغير الواعية لما يعرف بنمط "دور المنقذ" في العلاقات الإنسانية. 

وأوضحت أن هذا السلوك، رغم ارتدائه ثوب النبل والتضحية والتعاطف، يعد من أكثر الأنماط النفسية إيذاء واستنزافاً لطرفي العلاقة، مشيرة إلى أن المحرك الأساسي له في كثير من الحالات لا ينبع من احتياج الآخرين الحقيقي للمساعدة، بل من دوافع نفسية غير معالجة لدى المنقذ نفسه، أبرزها الشعور القهري بالذنب، أو الخوف من وضع الحدود، أو الرغبة المفرطة في إثبات الذات ونيل القبول.

وهم العطاء وأزمة الهوية المقنعة

​أكدت الدكتورة دينا العالم أن الشخص الذي يعيش دور المنقذ نادراً ما يدرك حقيقة هذا النمط في البداية؛ إذ يرى نفسه دائماً الطرف الأكثر حباً وتضحية، والذي يتحمل الشدائد ولا يتخلى عن أحد وقت الأزمة. 

وتكمن الإشكالية العميقة حين تتحول مساعدة الآخرين من خيار إنساني واعٍ إلى "دور إلزامي" يشكل عماد الهوية الشخصية؛ حيث لا يشعر الفرد بقيمته أو استحقاقه إلا عندما يكون مطلوباً ومؤثراً. 

ويتغذى هذا السلوك على خوف لا واعٍ يهمس لصاحبه بأنه إذا توقف الآخر عن الاحتياج إليه، فلن يتبقى لوجوده أي معنى أو ثقل داخل العلاقة.

 

السيطرة الخفية وسلب النضج الشخصي

​أشارت العالم إلى أن فرط المساعدة يمثل وجهاً مبطناً للتحكم والسيطرة غير المباشرة. وتتجلى هذه السيطرة ليس في التوجيه الصريح أو الاستبداد، بل من خلال تبني قناعة مفادها "أنا أعرف مصلحتك أكثر منك"، مما يدفع المنقذ إلى حل الأزمات بالنيابة عن الطرف الآخر، وتحمل التبعات عنه، وتقرير مسارات حياته.

 وتؤدي هذه الوصاية إلى تجريد الشريك أو الطرف المدعوم من حقه الإنساني الفطري في خوض التجارب، والوقوع في الخطأ، والتعلم منه؛ حيث ترسل هذه التدخلات رسالة نفسية ضمنية قاسية مفادها: "أنت عاجز وغير قادر على إدارة شؤونك"، وهو ما يقوض الثقة بالنفس ويعوق النمو النفسي.

معادلة الاحتياج المتبادل وتراكم الفواتير العاطفية

​أوضحت المعالجة النفسية أن نمط الإنقاذ يؤسس لاتفاق نفسي صامت يقوم على معادلة "أنا أحتاجك أن تظل محتاجاً لي". 

وتظهر أزمة هذا الاتفاق حين يبدأ الطرف الآخر في التعافي، أو محاولة الاستقلال، أو رسم حدود شخصية صحية؛ حيث يقابل المنقذ هذا التحول بمشاعر متداخلة من الرفض، والغضب، أو اتهام الآخر بنكران الجميل، لأن العلاقة لم تبنَ على الوجود المتكافئ، بل على رابطة الاحتياج والعجز.

 وينتهي الأمر بالمنقذ إلى احتراق نفسي حاد واستنزاف عصبي نتيجة تحمله مسؤوليات لا تخصه، كحمل مشاعر الآخرين، وحل معضلاتهم، وتحمل أخطائهم، ليتحول العطاء المجرد بمرور الوقت إلى "فاتورة عاطفية طويلة" يطالب الآخرين بسدادها، ولسان حاله: "أنا قدمت كل شيء، فماذا قدمتم لي؟".

المساندة الواعية وقوة الحدود النفسية

​شددت الدكتورة دينا العالم على أن التحرر من هذا الفخ يبدأ بمواجهة الدوافع الذاتية وطرح تساؤلات حاسمة قبل المبادرة بالتدخل: هل طلب الطرف الآخر العون حقاً؟ وهل هذه المسؤولية تقع على عاتقي؟ وهل المساعدة تدعمه أم تلغي تجربته؟ كما دعت إلى استكشاف ما إذا كان المحرك هو الخوف من الحدود أو الشعور غير المبرر بالذنب. 

 

واختتمت طرحها بالتأكيد على أن الحب الحقيقي والنضج النفسي يتجليان في المساندة دون إلغاء، والتواجد بجانب الآخر دون حمل حياته بالنيابة عنه، مؤكدة أن احترام حدود الآخرين وتركهم يتحملون نتائج اختياراتهم ليس تخلياً أو قسوة، بل هو أرقى درجات الاحترام والوعي الإنساني.

تم نسخ الرابط