بين سطوة الأمس ووعي الحاضر.. كيف تغيرت مفاهيم إتيكيت تنشئة الأطفال؟

وشوشة

تتبدل العصور وتتغير معها أنماط الحياة، غير أن سؤالاً جوهرياً يظل يتردد في أروقة كل بيت: كيف نربي أبناءنا؟ لطالما حمل جيل الثمانينات ذكريات واضحة عن قواعد صارمة حكمت طفولته؛ خطوط حمر كانت ترسم مسار اليوم وتضبط الإيقاع داخل المنازل وخارجها. 

واليوم، تقف أمهات وآباء الجيل الحالي في مفترق طرق بين ما ورثوه من قيم وبين متطلبات عصر يرفع راية الصحة النفسية وبناء الشخصية المستقلة.

​في هذا السياق، فتحت استشارية الإتيكيت وتطوير المهارات كارمن حجار نقاشاً واسعاً عبر حسابها الموثق على منصة إنستغرام، 

متناولة مقارنة تحليلية دقيقة بين مفاهيم التربية في عقد الثمانينات وتطبيقاتها المعاصرة، مؤكدة أن جوهر القضية لا يكمن في نسف القديم، بل في تطويره ليصبح الاحترام نابعاً من الوعي لا الخوف.

من الانضباط الصارم إلى مساحات التعبير

​كانت الطاعة المطلقة والانضباط الحازم هما العنوان الأبرز لتربية الثمانينات؛ حيث سادت قناعة بأن الهدوء والصمت هما الدليل الوحيد على حسن الخلق. 

وكان الصوت المرتفع للطفل أو مجادلته للبالغين يُعد خروجاً صريحاً عن المألوف.

​أما اليوم، فقد أعادت المفاهيم الحديثة ترتيب الأولويات دون إسقاط الأدب؛ فالهدف بات يدور حول تمكين الطفل من التعبير عن مشاعره وأفكاره، وتدريبه على أن يكون شريكاً في الحوار. 

لم يعد السكوت فضيلة إذا كان ناتجاً عن كبت، بل تحول التركيز إلى تعليم الصغار مهارة الاستماع، وانتظار دورهم في الحديث، وصياغة وجهات نظرهم بمنتهى الرقي.

إلقاء التحية وحرمة الجسد

​تحضر صورة الزيارات العائلية في الثمانينات بقوة، حين كان الطفل يُلزم بالوقوف ومصافحة كل الحاضرين، وغالباً ما كان يُجبر على تقبيل الكبار وعناقهم كدليل قاطع على الترحيب وحسن التربية.

​توضح استشارية الإتيكيت كارمن حجار أن النظرة المعاصرة تصحح هذا السلوك بحساسية بالغة؛ فالاحترام يظل واجباً، ويُعلَّم الطفل أن يقف مبتسماً ومرحباً بضيوفه، ولكن مع احترام كامل لحدود جسده دون إجباره على الملامسة الجسدية أو التقبيل.

 هنا يتشكل الفارق الجوهري بين الواجب الاجتماعي وحق الأمان الشخصي، مما يحمي الصغير ويزرع فيه الثقة.

لغة العيون وصوت الرفض

​في الماضي، كان خفض البصر نحو الأرض عند الحديث مع شخص يكبرنا سناً يُفسر على أنه ذروة الأدب والحياء. 

لكن التربية الواعية اليوم ترى في التواصل البصري دلالة على الحضور القوي، والثقة المتزنة، والاحترام المتبادل بين الطرفين؛ فالنظر في العينين يعزز شعور الطفل بقيمته واستيعابه لما يُقال.

​يمتد هذا التطور إلى مفهوم كلمة الرفض؛ ففي ثمانينات القرن الماضي، كان نطق كلمة «لا» من قبل الطفل أمراً مستهجناً ينم عن تمرد. 

اليوم، تحرص التربية السليمة على فك الاشتباك بين التمرد والحدود الذاتية؛ فالطفل يتعلم متى يقول «لا» دفاعاً عن نفسه وخصوصيته، بينما يتعلم الالتزام عندما يرتبط الأمر بواجباته ومسؤولياته، كترتيب أشيائه والالتزام بتعليمات والديه.

آداب المائدة وثقافة الاعتذار المشترك

​كانت موائد الطعام في الماضي مساحة دافئة تلتقي فيها العائلة لتبادل أطراف الحديث وتوطيد الروابط بعد يوم طويل.

 ومع غزو الشاشات الذكية لتفاصيل الحياة اليومية، تدعو كارمن حجار إلى استعادة بريق تلك اللقاءات، بجعل المائدة منطقة خالية من الهواتف، وإحياء فن المحادثة الأسرية وجهاً لوجه.

​كذلك نال مفهوم الاعتذار نصيبه من التحديث؛ فبعدما كان التوجيه يقتصر على جملة آمرة مفادها «قل آسف»، بات التركيز المعاصر ينصب على فهم دوافع الخطأ والسعي لإصلاح أثره نفسياً ومادياً. 

ولم يعد الاعتذار واجباً على الصغير وحده، بل أصبح سلوكاً يمارسه الأهل بشجاعة أمام أبنائهم إذا أخطأوا، لترسيخ القدوة الحية في تحمل المسؤولية.

المعادلة الذهبية: أصالة القيم ووعي الحاضر

​تخلص الرؤية التربوية التي طرحتها كارمن حجار إلى أن النضج يكمن في الجمع بين أصالة الأمس ومرونة اليوم؛ فنحن نحافظ على ما تميزت به الثمانينات من غرس عميق للمسؤولية والانضباط والالتزام بحرمة بيوت الآخرين، ونضيف إليها أدوات العصر الجديد القائمة على الحوار، وتعزيز الثقة، واحترام الحدود الشخصية. 

والغاية في النهاية ليست تنشئة جيل يرتجف خوفاً من الكبار، ولا جيل يتطاول عليهم، بل تنشئة أطفال أسوياء، يملكون الشجاعة ليعرفوا حقوقهم، والأدب الراسخ ليحترموا حقوق الجميع.

تم نسخ الرابط