قصة أغنية "أراك عصي الدمع".. لماذا رفضت أم كلثوم غناءها وطلبت تغيير كلمة؟
مرت أغنية “أراك عصي الدمع” بمراحل عديدة قبل أن تقدمها كوكب الشرق أم كلثوم، خاصة أن القصيدة سبق أن غناها عدد من مطربي عصرها، ومن بينهم عبده الحامولي، إلا أن الموسيقار رياض السنباطي أصر على تقديمها بألحانه، لتصبح واحدة من الأعمال المرتبطة بتجربة أم كلثوم مع الشعر العربي الفصيح.
ويستعرض لكم موقع “وشوشة” قصة أغنية “أراك عصي الدمع”، وتفاصيل موقف أم كلثوم من إحدى كلمات القصيدة، بعدما رأت أن كلمة “بلى” قد لا تكون واضحة للمستمع، واقترحت استبدالها بكلمة “نعم”.
رياض السنباطي يتحدى من سبقوه
بحسب ما رواه الشاعر فاروق شوشة، فإن رياض السنباطي عندما قدم “أراك عصي الدمع” كان يتحدى بها كل من سبقه إلى تقديم القصيدة، وحرص على أن يضع لها لحنًا يليق بقيمتها الشعرية.
وعند وضع اللحن، قدم السنباطي لأول مرة على المسرح آلة البيانو ضمن تخت أم كلثوم، في تجربة موسيقية ارتبطت بتقديم العمل.
الكلمة التي توقفت عندها أم كلثوم
تتضمن القصيدة الأصلية لأبي فراس الحمداني البيت الشهير:
“أراك عصي الدمع شيمتك الصبر.. أما للهوى نهي عليك ولا أمر”
ثم يقول الشاعر:
“بلى أنا مشتاق وعندي لوعة.. ولكن مثلي لا يذاع له سر”
وكانت كلمة “بلى” هي محل اعتراض أم كلثوم، التي رأت أن معناها قد لا يكون واضحًا للجمهور، وقد يختلط على المستمع بمعنى آخر.
ووفقًا لرواية فاروق شوشة، كانت أم كلثوم هي صاحبة اقتراح تغيير الكلمة، فاستُبدلت “بلى” بـ”نعم”، لتصبح الجملة التي تغنيها: “نعم أنا مشتاق ولكن مثلي لا يذاع له سر”.
أم كلثوم.. ثقافة تتجاوز التعليم
وأوضح فاروق شوشة أن أم كلثوم، رغم أنها لم تحصل على تعليم أكاديمي بالمعنى التقليدي، كانت شديدة الثقافة، وتدرك قيمة القراءة والعلم والفهم، كما كانت تمتلك قدرة كبيرة على تذوق الشعر وفهم معانيه.
ولذلك لم تكن تتعامل مع النص الشعري باعتباره مجرد كلمات تُغنى، وإنما كانت تتوقف عند الألفاظ ومعانيها ومدى قدرتها على الوصول إلى الجمهور.
وأشار شوشة إلى أن أم كلثوم كانت في بعض الأحيان تدرك قيمة الكلمة الشعرية أكثر من الملحن نفسه، وكانت تناقش الشعراء وتتدخل في بعض التفاصيل، وتطلب تغيير ما لا تراه مناسبًا أو واضحًا في النص.
لماذا غيّرت أم كلثوم “بلى” إلى “نعم”؟
لم يكن تغيير الكلمة نابعًا من رغبة في تعديل شعر أبي فراس الحمداني، بقدر ما ارتبط برؤية أم كلثوم لطريقة وصول المعنى إلى المستمع.
فكلمة “بلى” لها استخدام لغوي محدد، وتأتي في العربية جوابًا لإثبات ما سبق نفيه، بينما رأت أم كلثوم أن استخدام “نعم” في هذا الموضع سيكون أكثر وضوحًا بالنسبة للجمهور، خاصة أن الأغنية تقدم قصيدة فصيحة قد تحتوي على ألفاظ تحتاج إلى قدر من المعرفة باللغة لفهمها.
ومن هنا جاء تدخلها في النص، ليصبح البيت بصيغته الغنائية أكثر مباشرة بالنسبة إلى المستمع.
من هو أبو فراس الحمداني؟
“أراك عصي الدمع” هي واحدة من أشهر قصائد الشاعر العربي أبو فراس الحمداني، الذي عاش في القرن الرابع الهجري، واشتهر بشعره في الفخر والحماسة والغزل، إلى جانب قصائده التي ارتبطت بتجربته في الأسر.
وتُعد القصيدة من أبرز نماذج الشعر العربي التي تناولت مشاعر الحب والشوق والصبر، وهو ما جعلها محط اهتمام عدد كبير من المطربين والملحنين عبر تاريخ الغناء العربي.
وبتقديم رياض السنباطي للقصيدة بصوت أم كلثوم، اكتسبت “أراك عصي الدمع” حضورًا جديدًا، وأصبحت مرتبطة بواحدة من أبرز تجارب كوكب الشرق في غناء الشعر العربي الفصيح.

