حوار| دينا سليم: الإعلام الرياضي ليس مجرد تحليل.. والمذيع الحقيقي يصنع الحوار
منذ دخولها عالم الإعلام الرياضي، اختارت الإعلامية دينا سليم أن تبحث عن مساحة خاصة لها بعيدًا عن القوالب التقليدية، لتقدم محتوى يجمع بين المعلومة والإنسانية والتلقائية. ومن خلال برنامج «الكورة فن» عبر إذاعة ON Sport FM 93.7،
استطاعت أن تقدم رؤية مختلفة للحوار الرياضي، تقوم على اكتشاف حكايات جديدة في حياة نجوم الكرة والفن، بعيدًا عن الأسئلة المكررة والمعلومات المعتادة.
رحلة دينا لم تخل من التحديات، خاصة في مجال ما زال يغلب عليه الطابع الذكوري، لكنها اختارت أن تواجه الانتقادات بالاستمرار والعمل، وأن تحافظ على طبيعتها أمام الميكروفون، مؤمنة بأن المذيع الناجح لا يكتفي بطرح الأسئلة، وإنما يمتلك القدرة على صناعة الحوار والوصول إلى جوانب جديدة في شخصية ضيفه.
وفي حوار خاص مع «وشوشة»، تتحدث دينا سليم عن كواليس تجربتها في «الكورة فن»، ورؤيتها للإعلام الرياضي في ظل سرعة السوشيال ميديا، وأصعب اللحظات التي مرت بها على الهواء، كما تكشف عن التحديات التي واجهتها كمذيعة رياضية، ورؤيتها لتطور المشهد الإعلامي الرياضي، إلى جانب حلمها بتقديم برنامج مختلف يكشف الجانب الإنساني من حياة نجوم كرة القدم ويمنح الجمهور فرصة حقيقية للمشاركة في الحوار.
وإليكم نص الحوار
في البداية.. دينا سليم، قبل أن نتحدث عن «الكورة فن» وتجربتكِ على شاشة ON Sport، كيف تصفين رحلتكِ مع الإعلام الرياضي؟ وما اللحظة التي شعرتِ فيها أنكِ وجدتِ نفسكِ فعلًا أمام الميكروفون؟
رحلتي مع الإعلام الرياضي بدأت منذ حوالي خمس سنوات من خلال راديو ON Sport FM 93.7، وقدمت خلال هذه الفترة أكثر من تجربة، كان من بينها برنامج صباحي «مورنينج شو» استمر لمدة عام، وكانت تجربة مرهقة إلى حد كبير، خاصة أنني كنت أبدأ البث في السابعة والنصف صباحًا وحتى التاسعة أما «الكورة فن»، فعلى الرغم من أن البرنامج لم يمر على انطلاقه سوى عدة أشهر، إلا أنه حقق نجاحًا ووصل إلى الجمهور بشكل كبير، وأشعر أنني وجدت نفسي فيه بالفعل. الفكرة الأساسية للبرنامج تقوم على الدمج بين الرياضة والفن، من خلال استضافة لاعبي كرة قدم خاضوا تجربة التمثيل، أو لاعبين كانت لديهم رغبة في دخول مجال الفن، إلى جانب فنانين كانت لديهم أحلام مرتبطة بكرة القدم ولم يتمكنوا من استكمال مشوارهم فيها وأعتقد أن أكثر ما جعلني أشعر بالراحة في «الكورة فن» هو المساحة الكبيرة التي يمنحها لي البرنامج للتحدث بطبيعتي، بعيدًا عن التقيد الحرفي بالسكريبت. أنا بطبيعتي أحب أن أتحدث مع الضيف بشكل تلقائي، وأظهر بشخصيتي الحقيقية كمذيعة، وفي الوقت نفسه أحاول دائمًا الوصول إلى معلومات وحكايات جديدة لم يسمعها الجمهور من قبل وكانت تجربتي على شاشة ON Sport من خلال برنامج «كورة شراب» خلال شهر رمضان الماضي مميزة جدًا بالنسبة لي، لأنها كانت مختلفة عن أي تجربة قدمتها من قبل، خاصة أنها أتاحت لي التعرف على نجوم كرة الشراب والحديث عن نجوم الجيل الذهبي، وهي نوعية من الحكايات التي أحبها كثيرًا.
من وجهة نظرك، هل الإعلام الرياضي اليوم أصبح مطالبًا بأن يكون ناقدًا ومحللًا، أم أن الجمهور أصبح يفضل المحتوى السريع والمباشر؟
أرى أن الجمهور يريد الاثنين معًا؛ فهو يرغب في أن يسمع رأي المذيع، وفي الوقت نفسه يريد محتوى سريعًا ومباشرًا. لكن المذيع الرياضي يجب أن يعرف جيدًا المساحة التي يتحرك فيها فعندما يتحول المذيع إلى ناقد أو محلل بشكل واضح، قد يخسر جزءًا من جمهوره، لأن المشاهد أحيانًا يبدأ في التعامل معه باعتباره مشجعًا لنادٍ معين وليس مذيعًا محايدًا. فإذا كانت المذيعة مثلًا زملكاوية ووجهت انتقادات قوية للنادي المنافس، فمن الطبيعي أن يشعر جمهور المنافس بأنها تتحدث من منطلق الانتماء وليس من موقعها الإعلامي لذلك أرى أن المذيع الرياضي يجب أن يقدم رأيه، ولكن في إطار محسوب، مع الحفاظ على الحياد، خاصة أن الجمهور حاليًا يبحث عن المحتوى السريع والمباشر، ولم يعد لديه وقت طويل لمتابعة محتوى مطول لا يقدم له جديدًا.

ما أصعب لحظة واجهتكِ كمقدمة برنامج رياضي؟
من أصعب اللحظات التي واجهتها في مشواري الإعلامي كانت الفترة التي سبقت وفاة والدي، خاصة أنني كنت أقدم البرنامج الصباحي ثلاثة أيام أسبوعيًا وأكون على الهواء في السابعة والنصف صباحًا.
كان من الصعب جدًا أن أكون في هذه الظروف الشخصية، وفي الوقت نفسه مطالبة بأن أظهر أمام الجمهور بطاقة إيجابية، وأن أكون سعيدة ومركزة وقادرة على تقديم المعلومة بشكل جيد وأتذكر أنني كنت قبل وفاة والدي بيوم على الهواء وبعدها بساعات جاء خبر وفاته وفي الفواصل كنت أشعر أنني أريد البكاء وأن صوتي قد لا يساعدني، لكن بمجرد عودتي أمام الميكروفون كنت أتحول إلى شخصية أخرى تمامًا، ولم يكن المستمع يشعر بما أمر به وأعتقد أن هذه من أصعب اللحظات التي يمكن أن يواجهها أي مذيع، أن تضع ظروفك الشخصية جانبًا وتظهر أمام الجمهور بالشكل المطلوب منك
وهل هناك موقف على الهواء ما زال عالقًا في ذاكرتك؟
من أكثر الأشياء التي أحبها في العمل الإذاعي تحديدًا هي العلاقة مع المستمعين. أحيانًا أكون أتحدث عن موضوع جاد أو أقدم معلومة رياضية، وفجأة تأتي رسائل أو مداخلات من الجمهور تجعل مسار الحلقة يأخذ اتجاهًا مختلفًا تمامًا واحب جدًا هذه اللحظات؛ لأنني أشعر فيها أن المستمع لا يتعامل مع البرنامج باعتباره مجرد محتوى رياضي، لكنه أصبح متفاعلًا معي ومع الحلقة نفسها، وهذا بالنسبة لي من أجمل الأشياء في العمل الإعلامي.

هل ترين أن المذيعة في البرامج الرياضية تواجه تحديات أكبر لإثبات نفسها مقارنة بالمذيع الرجل؟ وكيف تعاملتِ مع هذا التحدي؟
بالتأكيد، المذيعة في البرامج الرياضية تواجه تحديًا كبيرًا جدًا لإثبات نفسها، وحتى بعد أن تثبت نفسها وتكسب حب الجمهور، ستظل هناك فئة تنتقدها أو لا تتقبل وجودها في هذا المجال ومن أكثر التعليقات التي كانت تضايقني في البداية جملة «يلا على المطبخ» وكنت أتساءل كيف يمكن أن يقول البعض هذا الكلام لكن مع الوقت أدركت أن هذه التعليقات جزء من طبيعة المجال وأن المذيعين الرجال أنفسهم يتعرضون للانتقادات كما أنني أرى أن جمهور كرة القدم ليس رجاليًا فقط فهناك عدد كبير جدًا من الفتيات والسيدات اللاتي يعشقن كرة القدم ويتابعن تفاصيلها لكن بالفعل دخول المذيعة إلى مجال يغلب عليه الطابع الذكوري يمثل تحديًا ولذلك قررت أن أتجاهل التعليقات السلبية وأركز على شغلي لأن الاستمرار والنجاح هما أفضل رد
ما المعايير التي تضعينها لاختيار ضيوف «الكورة فن»؟ وهل تبحثين عن صاحب المعلومة فقط أم عن الشخصية القادرة على صناعة حوار حقيقي؟
أنا أؤمن أن صناعة الحوار مسؤولية المذيع في المقام الأول، وليس الضيف. فقد يأتي إليّ ضيف خجول أو لا يرغب في الحديث كثيرًا، وهنا يأتي دور المذيع في خلق حالة من الراحة والتلقائية حتى يستطيع إخراج أفضل ما لدى الضيف أما بالنسبة لاختيار الضيوف، فأبحث عن صاحب المعلومة المختلفة، وليس مجرد شخص يكرر المعلومات التي نسمعها في كل البرامج الرياضية أريد أن يكون لدى الضيف حكاية جديدة أو معلومة تجعل المستمع وهو في سيارته مثلًا، يتوقف ويقول: «ماذا سيقول هذا الضيف؟» ويستمر في الاستماع
لأن معظم البرامج الرياضية تتحدث عن الأحداث نفسها، خاصة بعد المباريات ضربة الجزاء وأداء المدير الفني، وإصابة اللاعب وغيرها لذلك كنت حريصة في «الكورة فن» على تقديم مادة مختلفة، حتى يكون للبرنامج شخصيته الخاصة

في ظل انتشار السوشيال ميديا، أصبحت بعض الآراء الرياضية تنتشر في دقائق دون تدقيق.. كيف توازنين بين سرعة الخبر وضرورة الحفاظ على المصداقية؟
السوشيال ميديا أصبحت عاملًا أساسيًا في سرعة انتشار الأخبار والمعلومات، ولذلك تفرض على المذيع مسؤولية أكبر في التدقيق قبل الحديث على الهواء.
أنا شخصيًا إذا رأيت أي معلومة على السوشيال ميديا، لا يمكن أن أذكرها على الهواء إلا بعد التأكد منها بشكل كامل لأن الخطأ الإعلامي قد ينتشر أسرع بكثير من النجاح قد تعملين لسنوات طويلة دون أن ترتكبي خطأ واحدًا، لكن بمجرد وقوع خطأ، يمكن أن ينتشر خلال دقائق ويصبح حديث الجميع لذلك أعتبر السوشيال ميديا سلاحًا ذا حدين وأرى أن المصداقية يجب أن تظل أهم من السبق أو سرعة نشر المعلومة.
هل تعتقدين أن الترند أصبح أحيانًا أقوى من الخبر الرياضي نفسه؟ وهل يمكن أن يؤثر ذلك على قرارات بعض البرامج والقنوات؟
لا أعتقد أن الترند أصبح أقوى من الخبر الرياضي نفسه، لكن طريقة تقديم الخبر وأسلوب صياغة العنوان أصبحا عاملين مؤثرين جدًا في جذب الجمهور.
الترند مهم عندما يكون في مكانه الطبيعي ويخدم المحتوى، لكن لا يجب أن يتحول إلى هدف في حد ذاته، أو أن نبحث عن الترند لمجرد تحقيق نسب مشاهدة، لأن قيمة الخبر ومصداقيته يجب أن تظل هي الأساس.

لو طلبنا منكِ تقييم المشهد الإعلامي الرياضي حاليًا، ما أكثر شيء تطور فيه، وما الشيء الذي تتمنين أن يتغير؟
أرى أن المشهد الإعلامي الرياضي شهد تطورًا كبيرًا جدًا خلال السنوات الأخيرة، وهناك أشياء كثيرة أصبحنا نشاهدها اليوم ولم تكن موجودة بهذا الشكل من قبل والشركة المتحدة للرياضة تحديدًا ساهمت في تقديم تجارب ومشاهد رياضية مختلفة وأصبح الجمهور يرى فعاليات ضخمة وطرقًا جديدة لمتابعة البطولات إلى جانب شاشات المشجعين التي أصبحت تجمع أفراد الأسرة المصرية، وتحول متابعة المباريات إلى تجربة وذكريات عائلية كما أصبح هناك اهتمام أكبر بالرياضة بشكل عام، سواء من خلال البطولات أو الدورات الرياضية أو المنصات والقنوات المختلفة وأصبح وصول المعلومة أسرع بكثير؛ فإذا فاتتك مباراة، أصبح أمامك أكثر من وسيلة لمتابعتها أو معرفة تفاصيلها، سواء عبر القنوات أو الراديو أو المنصات الرقمية والسوشيال ميديا وبالتالي أرى أن المشهد الإعلامي الرياضي تغير كثيرًا، وبشكل أفضل من الماضي
ما القضية الرياضية التي ترين أنها لم تأخذ حقها إعلاميًا وتتمنين فتحها ومناقشتها بشكل أعمق؟
هناك قضية أتمنى أن تحظى بمساحة أكبر وهي إعطاء المدربين المصريين فرصة أكبر
دائمًا عندما نبحث عن مدير فني نتجه إلى المدرب الأجنبي وندفع مبالغ كبيرة، رغم أن لدينا مدربين مصريين يمتلكون خبرات كبيرة وقادرين على تحمل المسؤولية وأتمنى أن نمنح المدرب المصري ثقة أكبر، وأن نرى في السنوات المقبلة صناعة الكرة المصرية تعتمد بصورة أكبر على أبناء البلد، لأن لدينا كفاءات تستحق الفرصة

هل المذيع الرياضي الناجح يحتاج أن يكون محللًا كرويًا جيدًا، أم أن امتلاك أدوات الحوار وطرح الأسئلة أهم؟
المذيع الرياضي الناجح يحتاج أولًا إلى امتلاك أدوات الحوار، وأن يكون فاهمًا جيدًا للسؤال الذي يطرحه، وليس مجرد شخص يحفظ السؤال ويقرأه على الضيف أنا لم ألعب كرة القدم، وليس مطلوبًا مني أن أكون محللة كروية، لكن من المهم أن أمتلك فهمًا جيدًا لما أسأل عنه، وأن أستطيع طرح وجهة نظري بشكل مختصر إذا احتاج الحوار إلى ذلك أما التحليل فأرى أن وجود ضيف متخصص هو الأفضل، لأن دوره أن يقدم التحليل، بينما دور المذيع هو إدارة الحوار، وطرح الأسئلة، وإيصال المعلومة للجمهور بطريقة واضحة
لو أُغلقت الكاميرات الآن، وطلبت منك أن توجهي رسالة واحدة لكل فتاة تحلم بدخول مجال الإعلام الرياضي وتخشى من صعوبة الطريق ماذا ستقولين لها؟
سأقول لها أولًا: لا تخافي وثانيًا لا تجعلي أي شيء سلبي يُكتب عنك يؤثر فيك، لأنك ستواجهين الكثير من الانتقادات والتعليقات الأهم أن تصدقي نفسك وتصدقي حلمك. طالما أنتِ مؤمنة بأنك قادرة على تحقيق ما تريدين، فبالفعل تستطيعين وأقول دائمًا اختاري الطريق الصعب وحاولي أن تنجحي فيه، لأنك عندما تصلين إلى الطريق السهل بعد ذلك ستجدين نفسك قادرة على النجاح فيه بسهولة.
وأخيرًا ما الحلم الإعلامي الذي لم تحققيه حتى الآن، وتعتبرينه المحطة القادمة في مشوارك؟
أنا كل عام أحلم بشيء مختلف عن العام السابق لأنني في كل سنة أقدم تجربة جديدة والحمد لله عندما أنجح فيها يبدأ طموحي في الاتجاه إلى حلم أكبر.
أتمنى أن أقدم برنامجًا أكبر من الذي أقدمه حاليًا، يكون قائمًا على استضافة نجوم كرة القدم، لكن بشكل مختلف ليس مجرد حوار تقليدي، وإنما رحلة كاملة مع اللاعب نحكي خلالها عن مسيرته منذ بدايته، ونجاحاته وإخفاقاته، وحتى ما بعد اعتزال كرة القدم.

وأتمنى أن أستطيع من خلال هذا البرنامج الوصول إلى جوانب لم يتحدث عنها الضيف من قبل وأن أخلق مساحة حقيقية تجعله يفتح قلبه ويحكي تفاصيل جديدة.
كما أتمنى أن يكون للجمهور دور مباشر في البرنامج، بحيث يشارك المشاهد أو المستمع في الحوار ويوجه أسئلته للضيف وأحب أيضًا فكرة برامج اكتشاف المواهب، خصوصًا الأطفال، لأن لدينا مواهب مصرية كثيرة تستحق الفرصة وأحب جدًا النوعية التي تساهم في تحقيق حلم طفل موهوب، وتمنح أسرته لحظة فرح وفخر بنجاحه.
هذه النوعية من البرامج أتمنى أن أكون جزءًا منها لأنها بالنسبة لي لا تقدم محتوى فقط، وإنما تساهم في صناعة حلم ونجاح حقيقي.

