ذهب ودفء واحتضان.. تفاصيل فريدة موثقة من داخل المعبد الذهبي توضح مكانته الدينية والتاريخية

المعبد الذهبي بمدينة
المعبد الذهبي بمدينة أمريتسار - تصوير وتوثيق نشوى طارق رضوان

في كل يوم منذُ الشروق حتى غروب الشمس في مدينة أمريتسار بولاية البنجاب الهندية يتوافد مئات المواطنين الهنود والأجانب من جميع الجنسيات لزيارة المعبد الذهبي هناك.

فمن الزائرين من يذهب بهدف العبادة وأداء الطقوس الدينية السيخية ومنهم من يذهب إلى الاستمتاع بمعمار المعبد المصنوع من الذهب والرخام الخالص ومنهم من يذهب بغرض الاستمتاع والسكون والهدوء وحتى تناول الطعام

كثير من المواطنين حول العالم وليس الهنود يعتقدون أن المعبد الذهبي بمدينة أمريتسار بولاية البنجاب الهندية مجرد مكان ديني مقدس للسيخ يحمل تطور في الثقافة والهوية الدينية السيخية أو أنه عبارة عن مقصد سياحي له مكانة تاريخية لأنه تم بنائه منذُ آلالاف السنين.

ولكن ما لايعرفه المواطنين الغير هنود أن المعبد الذهبي لديه مكانة أعمق من المكانة الدينية وهي المكانة الطيبة في نفس كل زائر يذهب إلى هناك خاصةً أن أغراض زيارته متعددة ليست مقتصرة فقط على الاستمتاع بالمعمار وأداء طقوس الديانة السيخية.

المعبد الذهبي بمدينة أمريتسار في الهند - تصوير وتوثيق نشوى طارق رضوان
المعبد الذهبي بمدينة أمريتسار في الهند - تصوير وتوثيق نشوى طارق رضوان

لقد ذهبتُ بنفسي إلى المعبد الذهبي بمدينة أمريتسار بولاية البنجاب الهندية وفي بادئ الأمر كان غرض زيارتي رؤية المكانة التاريخية والأثرية له باعتبار أن تم بنائه في أواخر القرن الـ 16 الميلادي.

خاصةً عندما قرأت في العديد من الكتب والمخطوطات القديمة أثناء دراستي للغة والأدب الهندي أن مؤسس الديانة السيخية الرابع الهندي جورو رام داس قام بحفر بحيرة ماء تُسمى "ساروفار" بها العديد من الأسماك الملونة في عام 1577 لتكون بداية لمعبد جميل.

وهي البحيرة التي يستحم فيها المواطنين للاغتسال من خطاياهم والخلود بعد الموت، وهذا الأمر أبهرني حقاً وجعلني أبحث بعمق عن هذا المكان المميز.

ولذلك قرأت أكثر عن تفاصيل بناء المعبد الذهبي ووجدت أن مؤسس الديانة السيخية الخامس جورو أجان ديف هو من أكمل مسيرة جورو رام داس وقام باستكمال بناء معبد للسيخ في نفس المكان عام 1581.

لينتهي من بناء المعبد الذهبي بالكامل ويضع فيه مقام وكتاب الديانة في عام 1604 ليقوم لاحقاً المهراجا رانجيت سينج هناك بوضع الذهب على المعبد ويُسميه Harmindir Sahib Temple وشهرته المعبد الذهبي.

كل هذه التفاصيل مُبهرة ورائعة ولكن في نفس الوقت جعلتني أتسائل هل المعبد الذهبي في مدينة أمريتسار له مكانة دينية أو تاريخية فقط أو هناك أسباب أسباب أخرى أعمق من ذلك؟.

لهذا السبب قمت أنا بنفسي وأنا فتاة مسلمة الديانة بزيارة المعبد الذهبي في مدينة أمريتسار بولاية البنجاب الهندية في توقيتات مختلفة لأيام في وقت الشروق والغروب صباحاً ومساءً.

أنا نشوى طارق رضوان في المعبد الذهبي بمدينة أمريتسار
أنا نشوى طارق رضوان في المعبد الذهبي بمدينة أمريتسار

أعترف أنني وجدتُ ضالتي والإجابة لتساؤلاتي كفتاة مصرية مسلمة وهي أن المواطنين الهنود أو المواطنين من جميع دول العالم بمن فيهم أنا ذهبنا إلى المعبد الذهبي لأغراض أخرى غير الصورة النمطية له كمكانة تاريخية ودينية.

وعلى الفور من خلال زيارتي إلى المعبد الذهبي وجدت أنه تحفة معمارية تأخذ الأنفاس فالكثير من المواطنين يعتقدون أن "المعبد الذهبي" عبارة عن معبد لونه ذهبي فقط أو يُعطي إيحاء أنه مبني باللون الأصفر.

ولكن في حقيقة الأمر المعبد الذهبي مُغطى بالكامل بالذهب الخالص على أفخم طرق البناء التي تجعله من أكثر الأماكن باهظة الثمن والتكلفة، ولذلك يمكن أي شخص زيارة المعبد على أنه من أجمل التحف المعمارية.

خاصة الأسقف والحوائط داخل المعبد الذهبي جميعها مصنوعة من الذهب وبها فصوص من الألماس والجواهر، كما صُنعت بوابات الدخول من الرخام الأبيض وهو الأمر الذي يجعل المعمار فيه أكثر وضوحاً وجاذبية.

وذلك بسبب رغبة المهراجا الهندي رانجيت سينج في صنعه من الذهب الخالص وبتكلفة باهظة لإظهار الإحترام والتقدير لأي شخص يقوم بزيارته، ولذلك جمال المعبد الذهبي من أكثر التحف المعمارية الآخذة للأنفاس.

تفاصيل الذهب والزخارف المعمارية داخل المعبد الذهبي - تصوير وتوثيق نشوى طارق رضوان
تفاصيل الذهب والزخارف المعمارية داخل المعبد الذهبي - تصوير وتوثيق نشوى طارق رضوان

لا شك أن شعوري بالإنبهار بمعمار المعبد الذهبي بدأ يُثير الملاحظة والتدقيق في داخلي لأجد أن شكل المعبد يختلف حسب التوقيت.

فعندما يزور الكثير من المواطنين الهنود أو الأجانب المعبد الذهبي في مدينة أمريتسار بولاية البنجاب الهندية يجدون أن شكله الجمالي كتحفة معمارية يختلف حسب الوقت حيثُ يكون المعبد مغطى بالذهب بشكل كامل في الصباح ويُعطي لون الذهب الأصفر.

ولكن عند زيارة المعبد الذهبي في المساء عندما يحل الظلام تبدأ الإضاءات والأنوار باهظة الثمن في تتويج المعبد مما يجعل ظهور الذهب في مبناه بشكل أوضح للزائرين خاصةً من الداخل في الأسقف والحوائط.

بالإضافة إلى أن شكل المعبد الذهبي في مدينة أمريتسار يختلف وكأنه قطعة لامعة من الكريستال وليس الذهب فقط.

المعبد الذهبي في المساء - تصوير وتوثيق نشوى طارق رضوان
المعبد الذهبي في المساء - تصوير وتوثيق نشوى طارق رضوان

بالإضافة إلى ذلك المعبد الذهبي ليس مكاناً للعبادة فقط بل هو مكان روحاني وطبيعي خلاب، فإذا لم يذهب أي شخص لأداء طقوس الديانة السيخية في المعبد.

فيمكن لأي إنسان زائر الذهاب إلى المعبد الذهبي بهدف السياحة لرؤيته أو الاستجمام والاستمتاع بالأجواء الروحانية التي تتمثل في الهدوء والسكينة عندما يجلس الأشخاص هناك بهدوء شديد بدون تحدث أمام بحيرة جميلة وطبيعية مليئة بالأسماك أمام المعبد.

أنا نشوى طارق رضوان في المعبد الذهبي بمدينة أمريتسار على البحيرة أمامه
أنا نشوى طارق رضوان في المعبد الذهبي بمدينة أمريتسار على البحيرة أمامه

ومن أقوى الملاحظات التي لفتت نظري إلى روحانية المعبد الذهبي أن الأجواء والزيارات والدفء والاحتضان لأي زائر إليه يتشابه مع مائدة الرحمن المصرية.

فسواء المواطن الهندي السيخي أو الهندوسي أو مواطنين آخرين من أي ديانة أو دولة أخرى من العالم يحصلون جميعهم على الطعام داخل المعبد.

ففي لفتة إنسانية من بعض الأثرياء والكهنة داخل المعبد الذهبي يقومون بإعداد وجبات طعام تُسمى بأسم "لانجار" يومياً وهذه الوجبات تُقدم لأكثر من 75 ألف شخص مختلف يومياً.

كما يُمكن للأشخاص الفقراء الذين لا يملكون المال أو الطعام يتذوقون وجبات "البرساد" مثل (أكل الطيبين بالمصري) والبرساد أو الـ لانجار أطعمة مجانية بسيطة تقدم للمحتاجين داخل المعبد.

وهذه الخاصية تجعل المعبد الذهبي يتشابه مع مائدة الرحمن التي يتناول فيها المصريين الوجبات في شهر رمضان، ولكن الفرق أنه داخل المعبد يُقدم الطعام.

ولا شك أنني شعرتُ بالصاعقة والصدمة عندما اكتشفت أنه يوجد إقامة كاملة في المعبد الذهبي وأماكن مخصصة للنوم للزائرين له حيثُ يوفر المعبد أماكن إقامة للمسافرين داخله في قاعات النوم المخصصة فيه لمن يريد النوم هناك.

والأستراحة من تعب السفر وقضاء الليل والاستمتاع بجمال المعبد وأجوائه لأطول فترة ممكنة، ولذلك يمكن للجميع أو أي شخص دخول المعبد من أجل ذلك وليس من أجل العبادة فقط.

ومن أكثر المناظر الطبيعية الخلابة داخل المعبد الذهبي هو منظر شروق وغروب الشمس على القبة الذهبية للمعبد فأينما كنتم أو أياً منكم يمكنكم الذهاب إلى زيارة المعبد من أجل الاستمتاع بمنظر الشروق والغروب هناك فالمعبد متاح ومفتوح على مدار 24 ساعة.

وبسبب أن المعبد الذهبي مُغطى بالذهب الخالص وأجزاء فيه من الرخام الأبيض إذا ذهبتم في وقت شروق الشمس لمشاهدته يُصبح المعبد باللون الأحمر خاصةً عندما ينعكس المعبد على البحيرة التي أمامه يُصبح المنظر خلاب مثل المعابد الحمراء.

أما إذا ذهبتم في وقت غروب الشمس يُعطي المعبد الذهبي إيحاءً بأن ألوانه مابين البني وبرتقالي والأسود بسبب إنعكاس الشمس عليه وعلى البحيرة المليئة بالأسماك التي أمامه، مما يُضيف عليه بريقاً وجمالاً استثنائياً فريداً.

ومن أكثر الأجواء التي وجدتها تُعبر عن الدفئ والاحتضان تصرفات المواطنين المحليين الهنود من مدينة أمريتسار الزائرين للمعبد الذهبي فهم كثيريين الترحاب ولا يهتمون بديانة الأشخاص الآخرين الغير سيخيين.

فعلى الرغم من أنني فتاة مسلمة أوقفني العديد من المواطنين هناك داخل المعبد الذهبي من أجل الترحاب بي وتعريفي بالمكان وإلتقاط الصور الفوتوغرافية معي من أجل الذكرى ليعرضوا علي المساعدة لاحقاً في أي أمر.

بالإضافة إلى ذلك طريقة تعامل كل أسرة تزور المعبد الذهبي مثل الزوج والزوجة وأطفالهم وضحكاتهم وأمانهم وحمايتهم لبعضهم البعض.

والجد والجدة واحتضانهم إلى الأحفاد والعائلات التي تزور المكان من أجل المباركة به لكي تزوج إبنها لفتاة أو العكس، كل ذلك جعلني أشعر بدفئ وروحانية المكان.

العائلات في المعبد الذهبي - تصوير وتوثيق نشوى طارق رضوان
العائلات في المعبد الذهبي - تصوير وتوثيق نشوى طارق رضوان

وفي النهاية تتضح الرؤية والحقائق أن المعبد الذهبي في مدينة أمريتسار بولاية البنجاب الهندية مكاناً يشع دفئ واحتضان وروحانية وليس مكاناً من أجل العبادة فقط، وفي جميع الأحوال أهم شئ إذا ذهبتم إلى زيارة المعبد يجب عليكم احترام قواعده.

يمكنكم زيارة المعبد الذهبي لأي غرض العبادة أو السياحة أو الاستجمام أو النوم أو أي شئ آخر، ولكن هناك قاعدة واحدة يتفق عليها الجميع من الأشخاص ذوي الديانات أو الجنسيات الأخرى وهي يجب احترام قواعد الدخول إلى المعبد.

وهي المتمثلة في غطاء الرأس ارتداء الحجاب للنساء والعمة أو أي قطعة قصيرة من القماس للرجال، ثم الدخول إليه حافيين الأقدام، مع الإلتزام بتعليمات الحرس داخل المعبد من أجل احترام ثقافته وهويته، وأنا متأكدة أنه سينال إعجابكم وستنبهرون به مثلما انبهرت أنا.

تم نسخ الرابط