«لعبة جهنم» تحت المجهر.. نقاد يكشفون تأثير الظروف والإنترنت في صناعة المجرم

وشوشة

أثارت حكاية «لعبة جهنم» من مسلسل «القصة الكاملة» حالة من الجدل، بعدما تناولت جريمة مستوحاة من واقعة حقيقية، ووضعت المشاهد أمام تفاصيل قاسية لشخصيات تتورط تدريجيًا في عالم الجريمة، ومع تصاعد النقاش حول طريقة تقديم هذه النوعية من القضايا على الشاشة، يبرز سؤال مهم، هل نجحت الدراما في كشف الأبعاد النفسية والاجتماعية التي تقف خلف الجريمة، أم أن جرأة الأحداث ومشاهد العنف جعلت عنصر الإثارة هو المسيطر؟

 

وطرحت تساؤلات حول أسباب الوصول إلى هذه الدرجة من العنف، ومدى مسؤولية الدراما عن طريقة تقديم مثل هذه الجرائم للجمهور، وبينما انقسمت الآراء حول المعالجة الفنية للحكاية، ويظل الجانب النفسي حاضرًا بقوة لفهم دوافع الشخصيات وكيف يمكن أن يتحول الضغط والانحراف التدريجي إلى سلوك إجرامي، وهذا السياق تستعرض "وشوشة"، رأي ناقد فني حول المعالجة الدرامية للحكاية، إلى جانب رؤية متخصصة في علم النفس والإجتماع حول الدوافع التي قد تدفع الإنسان إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم، وتأثير مشاهدة هذا النوع من المحتوى على الجمهور.

 

وترصد «وشوشة» تباين الآراء حول «لعبة جهنم» بين الإشادة بعمقها النفسي والاجتماعي، وانتقاد اعتمادها على الإثارة والعنف.

 

وليد هندي: «لعبة جهنم» تكشف مخاطر العالم المظلم

 

قال الدكتور وليد هندي استشاري الصحة النفسية والطب النفسي:"الإنترنت الذي نستخدمه يوميًا لا يمثل سوى نحو 4% من حجم الإنترنت الحقيقي، بينما ينقسم الجزء الأكبر منه إلى الإنترنت العميق والإنترنت المظلم. ويُعد الإنترنت المظلم شديد الخطورة، ليس فقط لأنه يضم أنشطة غير قانونية، وإنما لأن مجرد الدخول إليه قد يعرض الشخص لمخاطر قانونية وأمنية، فضلًا عن احتمالات الاختراق وسرقة البيانات والابتزاز والنصب المالي".

 

وأضاف:"الخطورة النفسية لا تقل عن المخاطر التقنية، فهناك ما يمكن وصفه بالفضول المظلم، إذ يدفع الفضول البعض إلى مشاهدة محتويات تتضمن العنف والقتل والتعذيب، وهو ما قد يسبب صدمة نفسية وقلقًا واضطرابات في النوم وكوابيس، ومع تكرار المشاهدة يحدث نوع من التطبيع مع العنف، فيبحث الشخص تدريجيًا عن محتوى أكثر قسوة كما قد يؤدي الانغماس في هذا العالم إلى العزلة الاجتماعية والشك المستمر في الآخرين واضطراب الحالة النفسية".

 

وتابع:"ومن منظوري النفسي في حكاية لعبة جهنم، فإن بطل العمل ليس ضحية للإنترنت فقط، وإنما ضحية لوحدته النفسية وفضوله وفراغه الداخلي. كان يبحث عن قيمة ومعنى لوجوده، ووجد في العالم المظلم إحساسًا بالقوة والتميز لأنه أصبح يرى ويعرف ما لا يراه الآخرون لذلك فالشخصية ليست شريرة بطبيعتها، لكنها كانت تعاني من فراغ نفسي واجتماعي جعلها أكثر عرضة للانجراف وراء هذا العالم".

 

 

  علي سالم: الفقر لا يصنع مجرمًا

 

تحدث علي سالم، أستاذ علم النفس الاجتماعي المساعد بجامعة العاصمة،:"لا توجد علاقة مباشرة بين الفقر والجريمة، وإلا أصبح كل الفقراء مجرمين، فالأمر يرتبط بشكل أكبر بعوامل جينية تغذيها عوامل بيئية معينة؛ بمعنى أن بعض مرتكبي الجرائم، خاصة الجرائم العنيفة وغير التقليدية، لديهم استعداد وراثي لارتكاب هذا النوع من السلوكيات إذا توافرت الظروف البيئية المناسبة، وهو ما يمكن إسقاطه على الجريمة التي يتناولها المسلسل، فمرتكب الجريمة ليس الشخص الفقير الوحيد في منطقته، فلماذا لم يرتكب باقي الفقراء الجرائم نفسها؟ وهنا تظهر أهمية العوامل الوراثية المهيئة للسلوك الإجرامي". 

 

وتابع علي سالم حديثه قائلاً:"وفي المقابل، تلعب الأسرة والمجتمع دورًا أساسيًا في منع تنشيط هذه الاستعدادات، من خلال توفير الأمن النفسي والمادي والاجتماعي للفرد، إلى جانب دور مؤسسات التنشئة، مثل الأسرة والمدرسة ودور العبادة والإعلام والأصدقاء، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي، في الحد من السلوك الإجرامي".

 

جيهان النمرسي: الظروف الاجتماعية لا تصنع الجريمة وحدها

 

قالت الدكتورة جيهان النمرسي، "لا نستطيع أن ننكر أن الظروف الاجتماعية والبيئية لا تخلق الجريمة بمفردها كحتمية مطلقة، لكنها تعمل كمحفز وضغط تراكمي يضعف آليات الدفاع النفسي والقيمي لدى الفرد".

 

وأضافت: "في علم الاجتماع الجنائي، يُنظر للجريمة باعتبارها نتاج تفاعل معقد بين الاستعداد الفردي والضاغط البيئي، فالبيئة الهشة تقلل البدائل المشروعة وتجعل الانحراف مسارًا أسهل للهروب أو الانتقام أو تحقيق الذات المشوهة".

 

وأوضحت أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر أن الفقر في حد ذاته لا يدفع الفرد بالضرورة إلى ارتكاب الجريمة، موضحة أن المشكلة قد تظهر بصورة أكبر مع الشعور بما يُعرف بـ«الحرمان النسبي»، نتيجة المقارنة المستمرة بين الفرد ومن حوله، خاصة عندما يرى الشاب فجوة كبيرة بين طموحاته وإمكاناته.

 

وتابعت: "هذا الشعور قد يولد إحباطًا يتحول إلى عدوانية أو رغبة في الكسب السريع بأي ثمن، وبالتالي لا يكون العامل الاقتصادي منفردًا، وإنما يتداخل مع عوامل نفسية واجتماعية أخرى".

 

وعن تأثير الأسرة، أشارت د. جيهان النمرسي إلى أن التفكك الأسري والإهمال العاطفي يمكن أن يتركا فراغًا نفسيًا لدى الفرد، قائلة: "غياب السند والرقابة داخل الأسرة يترك فراغًا وجوديًا وأمانًا مفقودًا، فيبدأ الفرد بالبحث عن الانتماء أو القوة في دوائر بديلة، وغالبًا ما تكون جماعات أقران منحرفة أو أوهامًا رقمية".

 

وأكدت أن الأسرة تمثل أحد أهم عناصر الوقاية، مطالبة بالانتقال من الرقابة القمعية إلى الاحتواء والحوار، لأن الشاب الذي يجد مساحة آمنة للتعبير عن مخاوفه وإخفاقاته دون خوف من الإدانة يكون أقل عرضة للجوء إلى وسائل هروب مدمرة.

 

وحذرت من التعامل مع الإنترنت باعتباره مجرد وسيلة، موضحة: "الإنترنت ليس مجرد وسيلة، بل بيئة موازية؛ يسهل فيها استقطاب الفئات الهشة نفسيًا عبر ألعاب وتحديات تغذي النرجسية، أو مجتمعات مغلقة ترفع حس الإثارة وتنزع الطابع الإنساني عن العنف".

 

وأضافت أن التعلق المفرط بالعالم الرقمي والتغيرات المفاجئة في سلوك الأبناء، مثل العزلة أو تغير المزاج، يجب التعامل معها باعتبارها إشارات تحتاج إلى الدعم والانتباه، وليس التعنيف فقط.

 

مصطفى الكيلاني: «لعبة جهنم» نجحت في تحقيق التوازن بين التشويق والمعالجة النفسية والاجتماعية

 

وأضاف الناقد الفني مصطفى الكيلاني:"في تقديري، يُحسب لمسلسل لعبة جهنم أنه نجح في تقديم الجريمة باعتبارها جزءًا من معالجة درامية متكاملة، وليس مجرد وسيلة لصناعة الإثارة والتشويق، فالعمل لم يتوقف عند تفاصيل الجريمة وملابساتها، وإنما منح الأبعاد النفسية للشخصيات مساحة جيدة، ساعدت على فهم دوافعها وخلفياتها والتعامل معها باعتبارها شخصيات إنسانية لها تركيبتها وظروفها، وليس مجرد أطراف في أحداث جنائية".

 

واستكمل حديثه قائلاً:"كما استطاع المسلسل توظيف عناصر الإثارة والعنف لخدمة الدراما في معظم مراحله، فالتشويق جاء مرتبطًا بتطور الشخصيات والصراع الدرامي، ولم تكن الجريمة حدثًا معزولًا، بل ارتبطت بمجموعة من الضغوط والظروف والعلاقات الإنسانية التي تكشف جوانب اجتماعية ونفسية مهمة".

 

وأوضح قائلاً:"ومن نقاط قوة لعبة جهنم أنه لم يقع في فخ تقديم الشخصيات بصورة أحادية، وإنما اهتم بالعوامل النفسية التي تقف خلف سلوكها وقراراتها، وهو ما منح الأحداث قدرًا أكبر من المصداقية والعمق، وجعل المشاهد لا يكتفي بمتابعة الجريمة، وإنما يحاول فهم الإنسان الذي يقف وراءها".

 

واختتم حديثه قائلاً:"وأرى أن المسلسل نجح في تحقيق معادلة بين التشويق والمعالجة الفنية، واستفاد من الجريمة كمدخل لطرح أبعاد نفسية واجتماعية، مع الحفاظ على إيقاع درامي قادر على جذب المشاهد".

 

رامي متولي: «لعبة جهنم» تعكس واقعًا حقيقيًا

 

قال الناقد الفني رامي متولي،"الفكرة في الأساس إن دي حاجة حصلت في المجتمع، والفن بيعكس المجتمع بشكل أو بآخر، والمسلسلات من النوع ده في أحيان كثيرة بتخفف الأحداث الحقيقية أو بتخفف من قسوة الواقع".

 

 

 وتابع حديثه قائلاً:"ومن وجهة نظري حكاية لعبة جهنم بتكشف بالفعل أبعاد الجريمة النفسية والاجتماعية، لكن في الوقت نفسه بتعتمد على الإثارة، وده في حد ذاته بيجذب الجمهور، وبالتالي ليه شق تجاري، وده طبيعي جدًا لأنها في النهاية صناعة".

تم نسخ الرابط