الأسباب الخفية لغزارة الدورة الشهرية.. هل هي مجرد اضطرابات هرمونية أم مشكلة هيكلية في الرحم؟
تُعد الدورة الشهرية أحد الأبعاد الرئيسية المعبرة عن صحة المرأة وجسدها، إلا أن التغيرات التي قد تطرأ على نمطها، وبخاصة غزارة النزيف، تشكل مصدر قلق لنسبة كبيرة من النساء.
وتوضح الدكتورة مها صبري، أخصائية أمراض النساء والتوليد علي حسابها الموثق على الإنستجرام أن المفهوم الطبي لغزارة الدورة الشهرية لا يرتبط فقط بالكمية التقديرية لدم النزيف، بل يُعرف أساساً بمدى تأثير هذا النزيف الزائد سلباً على جودة حياة المرأة وأنشطتها اليومية والصحية.
معايير الدورة الطبيعية وعلامات التغير الزائد
تشير الممارسة الطبية إلى أن الدورة الشهرية المنتظمة تأتي في دورة زمنية تتراوح بين 21 و35 يوماً، وتستمر مدة النزيف فيها ما بين يومين إلى سبعة أيام.
وتكون كمية الدم خلال هذه الفترة ضمن حدود محتملة لا تعيق ممارسة المهام اليومية، كما لا تتطلب تغيير الفوط الصحية بشكل مفرط أو الاستيقاظ المتكرر ليلاً.
في المقابل، تتجلى غزارة الدورة الشهرية عبر مجموعة من المؤشرات الواضحة، أبرزها تسريب النزيف إلى الملابس أو الفراش، واضطرار المرأة لتغيير وسائل الحماية الطبية كل ساعة أو ساعتين متتاليتين.
كما تشمل العوارض خروج تجلطات دموية كبيرة بشكل متكرر، واستمرار النزيف لأكثر من سبعة أيام، أو ظهور نزيف غير مسبوق بين الدورات الشهرية أو عقب الاتصال الجنسي، مصحوباً بأعراض الإرهاق الشديد والدوخة وخفقان القلب.
الأسباب الهيكلية والهرمونية المسببة للنزيف
تتعدد العوامل المسببة لزيادة نزيف الطمث، ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة أبعاد رئيسية. يشمل البعد الأول الأسباب المرتبطة بتركيب الرحم، مثل الأورام الليفية، والعضال الغدي، والزوائد اللحمية، واضطرابات بطانة الرحم، إضافة إلى الحالات النادرة للأورام الخبيثة.
أما البعد الثاني فيتعلق بالاضطرابات الهرمونية، والتي تضم متلازمة تكيس المبايض، واضطرابات عملية التبويض، وأمراض الغدة الدرقية، إلى جانب التغيرات الهرمونية المصاحبة لمرحلة ما قبل انقطاع الطمث.
وتتكامل هذه الأسباب مع عوامل أخرى خارجية أو جهازية مثل استخدام اللولب النحاسي، أو تناول بعض الأدوية كمميعات الدم، أو الإصابة باضطرابات تجلط السيولة، علاوة على مضاعفات الحمل التي يتوجب استبعادها أولاً عند تقييم الحالة.
المضاعفات الصحية وآليات التشخيص
إن التهاون في التعامل مع النزيف الرحمي الغزير يؤدي إلى تبعات صحية متعددة، يأتي في مقدمتها فقر الدم الناتجة عن نقص الحديد، وما يرافقه من هبوط مستمر، وصداع، وضعف في التركيز، وصولاً إلى التأثير المباشر على الإنتاجية والنشاط الاجتماعي.
وللوصول إلى تشخيص دقيق، يعتمد الأطباء على منظومة من الفحص المتكامل تشمل إجراء تحليل صورة الدم الكاملة CBC للتحقق من نسبة الهيموجلوبين، وفحص اختبار الحمل، إلى جانب تقييم مخزون الحديد ووظائف الغدة الدرقية.
كما تلعب الفحوصات التصويرية، وعلى رأسها الموجات فوق الصوتية (السونار) على الرحم والمبايض والمنظار الرحمي عند الحاجة، دوراً مفصلياً في تحديد المسبب المباشر للنزيف.
الخصوبة وخطط العلاج المتاحة
تؤكد الدكتورة مها صبري أن غزارة الدورة الشهرية لا تعني بالضرورة الإصابة بالعقم، بل إن المسبب الرئيسي للنزيف هو ما قد يؤثر على فرص الحمل.
وبالتالي، فإن تحديد السبب وتلقي العلاج المناسب يسهم بشكل مباشر في استعادة التوازن الهرموني وتحسين فرص الخصوبة.
وتتنوع الخيارات العلاجية بين المسارات الدوائية والجراحية؛ حيث تُستخدم الأدوية المضادة للالتهاب غير الستيرويدية لتقليل حدة النزيف وآلامه، إلى جانب أدوية تنظيم النزيف والعلاجات الهرمونية مثل حبوب منع الحمل أو اللولب الهرموني.
بينما يتم اللجوء إلى التدخلات الجراحية أو المناظير في الحالات التي تستدعي إزالة الزوائد اللحمية أو الأورام الليفية.
وتبقى الوقاية والمتابعة الدورية، وتسجيل الملاحظات المتعلقة بمدة الدورة وشدرتها، الخطوة الأولى للحفاظ على صحة المرأة، مع ضرورة التوجه الفوري للطوارئ في حال ظهور أعراض حادة كالإغماء أو ضيق التنفس أو الشدة المفرطة للنزيف.


