الشيخ يسري عزام: المولد النبوي يجب أن يكون بداية لمراجعة أخلاقنا وليس مجرد موسم للاحتفال.. حوار
مع اقتراب المولد النبوي الشريف، تتجدد مشاعر المحبة والاحتفاء بسيرة خير خلق الله، سيدنا محمد ﷺ، لكن يبقى السؤال الأهم: هل تظل هذه المحبة في إطار المشاعر والمظاهر، أم تتحول إلى سلوك يومي نقتدي فيه بأخلاق النبي ورحمته وحلمه وعفوه؟
وفي وقت تتزايد فيه حدة الخلافات، وانتشار التنمر والإساءة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب تصاعد المشكلات الأسرية والاجتماعية، تبدو السيرة النبوية بما تحمله من قيم الرحمة والحوار وحسن التعامل أكثر حضورًا واحتياجًا في حياتنا اليومية.
وفي هذا الحوار، لموقع "وشوشة" يتحدث د. يسري محمود عزام، من علماء الأزهر الشريف، عن المعنى الحقيقي للاحتفال بالمولد النبوي، وكيف يمكن أن ننتقل من مجرد الاحتفاء بسيرة النبي ﷺ إلى الاقتداء الحقيقي بأخلاقه، فضلًا عن رسالته للأسر والشباب والأجيال الجديدة حول أهمية تحويل السيرة النبوية إلى منهج حياة.
وإليكم نص الحوار
في البداية.. مع اقتراب المولد النبوي.. هل تحول الاحتفال بالنبي ﷺ عند البعض إلى مظاهر أكثر من كونه اقتداء حقيقيًا بسيرته؟
نعم، قد يحدث ذلك عند بعض الناس، لكن لا ينبغي أن نحكم على الاحتفال كله من خلال بعض المظاهر. الأصل أن محبة النبي ﷺ تظهر في الفرح بمولده، والأهم أن تتحول هذه المحبة إلى اقتداء حقيقي. يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.
فإذا احتفلنا بمولد النبي ﷺ ثم عدنا إلى الكذب والخصام وسوء الأخلاق، فقد بقي الاحتفال في دائرة المظهر ولم يصل إلى جوهر الرسالة. نحن نريد أن يكون المولد مناسبة نجدد فيها العهد مع أخلاق المصطفى ﷺ: صدقًا ورحمة وأمانة وعفوًا وإحسانًا.
كيف ننتقل من الاحتفال بالمولد النبوي إلى أن تصبح أخلاق النبي ﷺ سلوكًا يوميًا داخل بيوتنا؟
نبدأ من البيت؛ لأن السيرة ليست كتابًا نقرأه فقط، وإنما منهج حياة. أن يتعلم الأب أن يكون رحيمًا بأبنائه، وأن تتعلم الأم الصبر، وأن يتعلم الزوجان الحوار والاحترام، وأن يتعلم الأبناء الصدق والأمانة.
النبي ﷺ قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فإذا أصبح هذا الحديث حاضرًا في تعاملاتنا اليومية، فنحن بالفعل نحتفل بالنبي ﷺ بطريقة حقيقية.
في زمن أصبحت فيه الإساءة والشتائم سهلة على مواقع التواصل.. ماذا لو طبقنا خلق النبي ﷺ في الاختلاف؟
لو طبقنا خلق النبي ﷺ لتغيرت لغة مواقع التواصل بالكامل. الاختلاف لا يعني أن أهينك، ولا أن أسخر منك، ولا أن أتهم نيتك.
قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾.
والنبي ﷺ علمنا أن القوة ليست في ارتفاع الصوت ولا في الانتصار للذات، وإنما في ضبط النفس. وقال ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» فليكن شعارنا على مواقع التواصل: أختلف معك، لكن لا أهينك.
النبي ﷺ كان رحيمًا حتى مع من خالفوه.. لماذا نفتقد هذه الرحمة في تعاملاتنا اليوم؟
لأننا أحيانًا نطلب من الناس أن يكونوا مثلنا قبل أن نطلب من أنفسنا أن نكون مثل النبي ﷺ والقرآن وصفه بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ رحمته ﷺ لم تكن ضعفًا، وإنما كانت قوة أخلاقية عظيمة. كان يعفو، ويحتوي، ويعطي فرصة للتوبة والإصلاح ونحن في أمس الحاجة إلى هذه الرحمة في البيت، وفي الشارع، وفي العمل، وعلى مواقع التواصل؛ لأن المجتمع لا يصلحه العنف في الكلام، وإنما يصلحه الاحترام والرحمة وحسن المعاملة.
هل نحتاج اليوم إلى إعادة قراءة السيرة النبوية بعين مختلفة، بعيدًا عن حفظ الأحداث إلى فهم الرسائل التي تحملها؟
بكل تأكيد. نحن لا نريد أن تكون السيرة مجرد تواريخ محفوظة: ولد في عام كذا، وهاجر في عام كذا، ووقعت غزوة كذا نريد أن نسأل: ماذا تعلمنا من الهجرة؟ ماذا تعلمنا من صبر النبي ﷺ؟ ماذا تعلمنا من تعامله مع أسرته وأصحابه ومخالفيه؟ السيرة ليست قصة حدثت وانتهت، وإنما مدرسة مفتوحة إلى قيام الساعة. وكلما تغيرت تحديات الحياة، اكتشفنا في هدي النبي ﷺ ما يعيننا على مواجهتها.
كيف نعلم أبناءنا حب النبي ﷺ دون أن تتحول السيرة بالنسبة لهم إلى مجرد معلومات محفوظة في الكتب؟
نحكي لهم السيرة بأسلوب قريب من قلوبهم، ونربط كل موقف بحياتهم عندما نحكي لهم عن صدق النبي ﷺ، نسأل الطفل: هل كنت صادقًا اليوم؟ وعندما نحكي عن رحمته، نسأله: هل رحمت زميلك؟ وعندما نحكي عن عفوه، نسأله: هل تستطيع أن تسامح من أخطأ في حقك؟ والأهم أن يرى الطفل النبي ﷺ في سلوك والديه؛ لأن الطفل لا يتعلم بالمواعظ فقط، وإنما يتعلم بالقدوة في ظل انتشار التنمر والسخرية على السوشيال ميديا.. ماذا يقول لنا موقف النبي ﷺ من جبر الخواطر وحفظ كرامة الإنسان؟
يقول لنا إن كرامة الإنسان ليست مادة للسخرية النبي ﷺ كان يحفظ مشاعر الناس، ويكره أن يحرج الإنسان أو يكسر خاطره. ولذلك نحن بحاجة إلى أن نفهم أن الكلمة قد ترفع إنسانًا، وقد تهدمه. والقرآن يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فلا تجعل هاتفك وسيلة لكسر الناس. قبل أن تكتب تعليقًا اسأل نفسك: هل يرضى الله عنه؟ وهل لو قيلت هذه الكلمة في حقي سأقبلها؟
هل يمكن أن تكون أخلاق النبي ﷺ علاجًا لمشكلات أسرية واجتماعية نعيشها اليوم؟ وكيف؟
بالتأكيد، بل أعتقد أن جزءًا كبيرًا من أزماتنا سببه غياب أخلاق الحوار والرحمة. انظر إلى البيت الذي يطبق هدي النبي ﷺ: لا إهانة، لا تجريح، لا تعمد لكسر الآخر، وإنما مودة ورحمة وتشاور قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ والنبي ﷺ يقول: «خيركم خيركم لأهله». لو طبقنا هذا الحديث داخل بيوتنا، لتغيرت بيوت كثيرة، ولقلّ الخصام، ولنشأ الأبناء في بيئة أكثر أمنًا وطمأنينة.
النبي ﷺ كان يستمع للناس ويحتويهم.. هل فقدنا اليوم ثقافة الاستماع قبل إصدار الأحكام؟
للأسف أصبحنا نريد أن نتكلم أكثر مما نريد أن نستمع. وأحيانًا نصدر الحكم على الإنسان قبل أن نعرف قصته. والنبي ﷺ كان يستمع للناس، ويفهم ظروفهم، ويعالج الخطأ بالحكمة نحن نحتاج أن نتعلم أن الاستماع ليس ضعفًا، وأن إعطاء الإنسان فرصة لشرح موقفه من الأخلاق النبوية. أحيانًا الإنسان لا يحتاج منك حلًا، وإنما يحتاج فقط أن يشعر أن هناك من يسمعه ويفهمه.
أين تقف حدود محبة النبي ﷺ بين العاطفة الدينية والاقتداء العملي الحقيقي؟
المحبة الصادقة لا تتوقف عند المشاعر، وإنما تظهر في الاتباع. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ نحن نحب النبي ﷺ، ونفرح بذكره، ونكثر من الصلاة والسلام عليه، لكن السؤال الأهم: هل نقتدي به؟هل نصدق كما صدق؟ هل نرحم كما رحم؟ هل نعفو كما عفا؟ هل نحفظ ألسنتنا كما أمر؟ هنا تتحول المحبة من عاطفة إلى عبادة وسلوك.
هناك من يربط الدين بالتشدد رغم أن السيرة النبوية مليئة بالرحمة واللين.. كيف نصحح هذه الصورة؟
نصححها بالعودة إلى الإسلام كما جاء به النبي ﷺ، لا كما تصوره بعض التصرفات الفردية قال الله تعالى في وصف نبيه ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.والنبي ﷺ قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» الدين ليس قسوة في التعامل، ولا فظاظة مع الناس. التدين الحقيقي يجعلك أرحم، وأصدق، وأعدل، وأحسن خلقًا.
ما الموقف من سيرة النبي ﷺ الذي ترى أنه الأكثر احتياجًا لأن نتعلم منه في 2026؟ ولماذا؟
أرى أننا في حاجة شديدة إلى تعلم رحمة النبي ﷺ وحسن تعامله مع المخالف نحن نعيش زمنًا كثرت فيه الاستقطابات، وسرعة إصدار الأحكام، والعنف اللفظي، وإلغاء الآخر. والنبي ﷺ علمنا أن الإنسان قد يخطئ، لكن الخطأ لا يعني أن نسلبه كرامته أو إنسانيته نحن بحاجة إلى أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن ننصح دون أن نهين، وأن نصحح الخطأ دون أن نكسر الإنسان.
هل الاحتفال بالمولد فرصة سنوية فقط، أم يجب أن يكون نقطة بداية لمراجعة علاقتنا بأخلاق النبي ﷺ؟
المولد ينبغي أن يكون بداية وليس نهاية لا أريد أن ينتهي المولد بانتهاء المناسبة، وإنما يبدأ معه مشروع جديد في حياتنا: مشروع الاقتداء بالنبي ﷺ ليكن كل واحد منا أمام نفسه ويسأل: ماذا سأغير في أخلاقي؟ في علاقتي بأهلي؟ في كلامي؟ في تعاملي مع الناس؟ إذا خرجنا من المولد بخلق واحد جديد، فقد انتقلنا من الاحتفال بالمناسبة إلى الاستفادة من الرسالة.
لو أردت أن توجه رسالة واحدة للمصريين بمناسبة المولد النبوي الشريف، ماذا تقول لهم؟
أقول لكل المصريين: اجعلوا حب النبي ﷺ أخلاقًا تمشون بها بين الناس صلوا عليه ﷺ، وأكثروا من ذكره، وعلموا أبناءكم سيرته، لكن اجعلوا أعظم احتفال به أن يرى الناس فيكم شيئًا من رحمته وصدقه وأمانته وعفوه وحسن خلقه في المولد النبوي، لا نحتفل فقط بذكرى مولد إنسان عظيم، وإنما نتذكر رسالة غيّرت وجه التاريخ وأقول لكم: من أحب النبي ﷺ فليحسن إلى الناس، ومن أحب النبي ﷺ فليحفظ لسانه، ومن أحب النبي ﷺ فليكن رحمة في بيته، وأمانة في عمله، وصدقًا في كلامه اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، واجعلنا من أهل سنته، المتبعين لهديه، المحبين له صدقًا وعملاً.



