حواديت زمان.. حواجب تحية كاريوكا تشعل معركة طبقية بسبب تقليعة غريبة
تمتلئ حياة الفنانين بالحواديت التي تكشف جوانب لم تكن تظهر دائمًا أمام الكاميرات، فبعض النجوم لم يصنعوا شهرتهم من خلال أعمالهم فقط، وإنما أصبحت تفاصيل حياتهم وملابسهم وطريقة ظهورهم وحتى اختياراتهم في الشكل والموضة حديث الناس والصحف وفي زمن كانت فيه الصحافة الفنية قادرة على تحويل تفصيلة صغيرة إلى قضية رأي عام، ظهرت تقاليع فنية تركت أثرًا أكبر مما يتوقعه أحد.
وفي حكايات الزمن الجميل، كانت الفنانة تحية كاريوكا واحدة من أكثر النجمات قدرة على لفت الأنظار، ليس فقط بموهبتها في الرقص والتمثيل، وإنما أيضًا بشخصيتها وثقافتها وحرصها على تطوير نفسها. ومنذ بداياتها، ارتبط اسمها بالعديد من الحكايات التي أثارت اهتمام الصحافة، خاصة بعدما ظهرت كراقصة تهتم بالقراءة والثقافة، وهو أمر لم يكن معتادًا في الصورة النمطية التي كانت تحيط بالفنانات وقتها.
وحدوتة اليوم عن حواجب تحية كاريوكا التي تحولت في فترة من الزمن إلى موضة أثارت ضجة كبيرة، ولم تتوقف الحكاية عند حدود الأناقة وتصفيف الحواجب، بل امتدت إلى الصحافة وأشعلت نقاشًا حول الفارق بين الفنانات وبنات الطبقات الراقية، بعدما دخلت إحدى الشخصيات النسائية البارزة في ذلك الوقت على خط الحكاية.
في بداية مشوار تحية كاريوكا، كانت الصحف تتابع خطواتها باعتبارها راقصة شابة مختلفة، خاصة أنها لم تكن تكتفي بالظهور على خشبة المسرح، وإنما كانت تحرص على التعلم والثقافة. ولفتت الأنظار في الصالات التي عملت بها، ومنها صالة بديعة مصابني، وهي تحمل الكتب وتقرأ لكبار الأدباء والمفكرين، ومن بينهم طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم.
ومع الوقت، بدأت الضجة الصحفية المحيطة بتحية كاريوكا تهدأ، فظهرت أمامها فكرة جديدة تعيد بها جذب الأنظار إليها، وكانت هذه المرة من خلال شكل حاجبيها، ففي الوقت الذي كانت فيه النساء معتادات على الحواجب الكثيفة التي تنخفض تدريجيًا من المنتصف، ظهرت كاريوكا بحواجب رفيعة ومقوسة إلى أعلى، بشكل لافت ومختلف عن الموضة السائدة في ذلك الوقت.
وسرعان ما تحولت حواجب كاريوكا إلى حديث الصحف، خاصة أنها كانت من أوائل المصريات اللاتي ظهرن بهذه الطريقة الجديدة، لتتحول التفصيلة الصغيرة إلى موضة يتابعها الجمهور، وبدأت سيدات كثيرات في تقليد الشكل الجديد.
لكن المفاجأة جاءت عندما ارتبطت هذه الموضة باسم درية شفيق، إحدى الشخصيات البارزة في حركة تحرير المرأة، والتي كانت من أوائل الفتيات المصريات اللاتي تخرجن من الجامعة المصرية. ونشرت الصحف وقتها ما يفيد بتقليدها لشكل حواجب تحية كاريوكا، وهو ما أثار استياءها.
وبحسب ما نشر في ذلك الوقت، ردت درية شفيق على ما تردد عنها، موضحة أن شكل الحواجب الذي ظهرت به لم يكن تقليدًا لتحية كاريوكا، وإنما شاهدت هذه الموضة في إحدى المجلات الفرنسية لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد، إذ تحولت الواقعة إلى نقاش أكبر بسبب الطريقة التي تناولت بها الصحف المسألة.
ودخلت الحكاية وقتها في منطقة أبعد من مجرد الموضة، بعدما رأى البعض أن وصف خريجة جامعية بأنها تقلد راقصة يحمل نظرة طبقية للفنانين، وهو ما فتح بابًا واسعًا للانتقادات، خاصة أن المجتمع الفني وقتها كان يشهد تغيرات واضحة في نظرة الناس إلى الفنانات ومكانتهن الاجتماعية.
وبدلًا من أن تختفي الموضة بعد هذه الأزمة، حدث العكس تمامًا، وانتشرت طريقة كاريوكا في تصفيف الحواجب بين عدد كبير من السيدات، وأصبحت من علامات الأناقة في تلك الفترة. كما استفادت صالونات التجميل من انتشار الموضة الجديدة، وبدأت السيدات في البحث عن الطريقة التي يمكن من خلالها الحصول على شكل الحواجب الذي ظهرت به كاريوكا.
وأصبحت تحية كاريوكا نفسها جزءًا من هذه الموضة، فكانت تنصح من تسألها عن الطريقة المناسبة للحصول على هذا الشكل بالذهاب إلى الكوافير الخاص بها، لتتحول الحواجب الرفيعة المقوسة إلى تقليعة مرتبطة باسمها لفترة من الزمن.
واستمرت هذه الموضة لعدة سنوات، قبل أن تتغير اتجاهات الجمال في العالم، وتظهر نجمات هوليوود بحواجب أكثر كثافة، فتنتقل الموضة الجديدة من الغرب إلى أوروبا ثم إلى الشرق، وتبدأ النساء في التخلي تدريجيًا عن الحواجب الرفيعة المقوسة.
ولم تكن تحية كاريوكا بعيدة عن موجة التغيير، إذ تخلت هي الأخرى عن تقليعتها القديمة، كما فعلت سيدات المجتمع المصري، لتبدأ مرحلة جديدة من الموضة.
وهكذا تحولت حواجب تحية كاريوكا من مجرد اختيار في الشكل إلى حدوتة من حواديت الزمن الجميل، بدأت بتقليعة بسيطة، ثم انتقلت إلى الصحف، وأثارت جدلًا بين الفنانين والمثقفين وأبناء الطبقات المختلفة، قبل أن تتحول في النهاية إلى موضة واسعة الانتشار، لتثبت حكاية كاريوكا مرة أخرى أن تفاصيل صغيرة قد تصنع ضجة كبيرة في حياة النجوم.

