علامات تؤكد إصابتك بالوسواس القهري.. هذه أبرزها

وشوشة

في عصر تتسارع فيه وتيرة المعلومات وتتداخل فيه المفاهيم العلمية بالثقافة الشعبية السائدة عبر منصات التواصل الاجتماعي، باتت مصطلحات الصحة النفسية تُلقى جزافاً وبشكل عشوائي يعبر عن ظواهر سطحية بعيدة كل البعد عن جوهرها الإكلينيكي. 

وفي هذا السياق، تبرز أصوات واعية ومخصصة لتصحيح المسار، وعلى رأسها الطبيبة النفسية الدكتورة ماجي الشافعي،  والتي أطلقت مؤخراً ناقوس الخطر حول شيوع التشخيصات الذاتية الخاطئة، لا سيما فيما يتعلق باضطراب الوسواس القهري (OCD).

 

فخ "النمط أ" وتسطيح المفاهيم

تلاحظ الدكتورة ماجي الشافعي من خلال احتكاكها المستمر بالجمهور عبر منصات التواصل الاجتماعي أن الكثيرين يسارعون إلى إطلاق أحكام قطعية على أنفسهم بعبارات مثل: "أنا مصاب بالوسواس القهري"، مجرد شعورهم برغبة في تنظيم محيطهم أو تفضيلهم لنمط حياة دقيق. 

فعلى سبيل المثال، قد يعبر الفرد عن انزعاجه من الفوضى، أو يفضل إنجاز المهام وفق طريقته الخاصة، أو يشعر بالضيق حين تتغير خططه المفاجئة، بل وقد يفتخر بكونه شخصية مركزية في التفاصيل (ما يسمى بـ "النمط A").

هذه السلوكيات، وإن كانت تعكس سمات شخصية تفضل النظام والكفاءة، إلا أنها تظل في إطار التفضيلات الشخصية الطبيعية والأنماط المعيشية المريحة لأصحابها، ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بالاضطراب النفسي الإكلينيكي المعقد. 

فالتنظيم هنا نابع من رغبة في تحقيق الإنتاجية أو الراحة البصرية، ولا يتحول أبداً إلى عبء مدمر أو قيد نفسي يعيق جودة الحياة.

 

الحقيقة الإكلينيكية: عندما يصبح العقل سجناً

في المقابل، تقدم د. ماجي الشافعي رؤية علمية دقيقة لما يعنيه الوسواس القهري الحقيقي (OCD)، بعيداً عن الصور النمطية السطحية التي روجت لها الدراما ووسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مجرد "هوس بالنظافة وترتيب الأغراض".

يُعرّف الوسواس القهري الحقيقي بأنه حالة قاسية يشعر فيها المريض بأنه "محبوس في دوائر فكرية وسلوكية متكررة" لا يستطيع الفكاك منها بإرادته البسيطة. يتمثل جوهر الاضطراب في:

1. أفكار اقتحامية مزعجة:

 هواجس ومخاوف مقلقة تقتحم عقل الإنسان رغماً عنه وتطارده بلا انقطاع، مما يخلق حالة من عدم اليقين المستمر الذي يشل قدرة العقل على التفكير المنطقي السليم.

2. دوائر الشك والقلق:

 يعيش المصاب في صراع دائم مع أفكار تجعله يشك في كل شيء حوله، وهو ما يولد قلقاً حاداً لا يهدأ إلا باللجوء إلى سلوكيات قهرية مؤقتة.

3. التحرر من وهم "المتعة في التنظيف": 

تؤكد د. ماجي أن لجوء مريض الوسواس القهري إلى أعمال مثل التنظيف المفرط أو الترتيب الدقيق لا يأتي أبداً من باب المتعة أو تفضيل الجماليات الشخصية، بل هو استجابة قسرية ومؤلمة تهدف إلى تخفيف حدة القلق المرعب الذي يسيطر عليه.

 إنه فعل دفاعي بحت يقوم به المهرب الإجباري من أفكار مدمرة، وليس مجرد هواية لشخص منظم.

 

مخاطر التشخيص الذاتي على الصحة النفسية

إن الخلط الخطير بين السمات الشخصية الطبيعية والاضطرابات النفسية الحقيقية لا يقتصر ضرره على مجرد تبسيط مفاهيم علم النفس، بل يمتد ليخلق حالة من التهوين غير المبرر لمعاناة المرضى الحقيقيين الذين يكافحون في صمت ضد أعراض قاسية وموهنة. 

فعندما يتحول "الوسواس القهري" إلى كلمة فضفاضة تُقال على سبيل المزاح أو وصف الرغبة في الترتيب، فإن ذلك يقلل من خطورة المرض ويؤخر لجوء أصحاب الحالات الحقيقية إلى طلب العلاج المتخصص مثل العلاج المعرفي السلوكي (CBT).

 

نحو وعي نفسي مستنير

في الختام، تؤكد رسالة الدكتورة ماجي الشافعي أن فهمنا للصحة النفسية يجب أن يُبنى على أسس علمية رصينة بعيداً عن التريندات العابرة والتشخيصات العشوائية. 
إن احترام تعقيدات النفس البشرية يقتضي منا التوقف عن إسواس أنفسنا بأمراض لست أهلاً لها، والاعتراف بأن التفضيلات الشخصية تختلف جذرياً عن الأمراض الإكلينيكية. 

فالوعي الحقيقي يبدأ بالاستماع المتأني للمتخصصين، والتمييز الواعي بين الرغبة في التنظيم وبين المعاناة الحقيقية للوسواس القهري، تمهيداً لبناء مجتمع أكثر تفهماً ورحمةً بالمرضى النفسيين.

تم نسخ الرابط