جنون الموضة.. أزياء مستوحاة من المعادن المصهورة وورق الأسلاك
لطالما كانت العلاقة بين الأزياء والنحت علاقة مغازلة متبادلة عبر التاريخ؛ إلا أن خبير الموضة أحمد الشرقاوي يأخذنا في جولة تحليلية كاشفة لأحدث مجموعات المصمم الاستثنائي جوناثان أندرسون (المدير الإبداعي لدار لو some/ديور).
يوضح الشرقاوي علي حسابه الموثق علي الإنستجرام كيف قرر أندرسون إلغاء الفواصل تماماً بين الفنين، محولاً منصة العرض إلى قاعة عرض حيّة تنبض بالحركة والضوء، ليعيد صياغة مفهوم الـ "كوتور" بأسلوب مجسم وثلاثي الأبعاد يُخرج الثوب من حيز النسيج التقليدي إلى رحاب المجسم النحتي المتحرك.
وبحسب الرؤية التحليلية للشرقاوي، فإن هذه المجموعة تستمد فلسفتها البصرية مباشرة من الإرث الفني للنحاتة الأمريكية الشهيرة "ليندا بنجليس" (Lynda Benglis)، والتي عُرفت بقدرتها الفذة على تحويل المواد الجامدة والصلبة مثل المعادن، واللاتكس، والبرونز، إلى أشكال انسيابية توحي بالسيولة والحركة العضوية.
ويوضح الشرقاوي كيف نجح أندرسون في ترجمة هذا المفهوم بدقة متناهية، مستخدماً خامات مبتكرة وطيات معقدة تحاكي طريقتها في ثني المعادن وصبّها، مما جعل العارضات يبدون وكأنهن منحوتات متحركة.
كيمياء المعادن السائلة وسحر الثنيات ثلاثية الأبعاد
يلفت أحمد الشرقاوي الانتباه إلى عبقرية التصميم في الفساتين المعدنية التي هيمنت على منصة العرض.
ففي قراءته لتصميم فريد باللون الفضي، يصف الشرقاوي القماش بأنه يبدو كصفيحة معدنية صلبة تعرضت لعملية صهر فوري، فتجعدت وتثنت على شكل عقد وتموجات بالغة الدقة حول الجسد، مانحةً العارضة في الوقت نفسه حرية مطلقة في الحركة.
هذا التباين البصري بين الصلابة الظاهرية والمرونة الفعلية هو ما يصنع الوهم البصري المذهل للمعدن السائل الذي يتحرك مع الجسم.
ولم تقتصر هذه التقنية على الفضة؛ حيث يشير الشرقاوي إلى فساتين برونزية ونحاسية مطوية بعناية فائقة، وأخرى جاءت بألوان الطبيعة مثل الأخضر اللامع الذي بدا كلوح معدني منصهر ومزين بزهور بارزة عند الياقة والخصر.
كما يبرز الشرقاوي اللفتة التاريخية الذكية في المجموعة، والمتمثلة في المعطف الأحمر الفضفاض ذي الطيات الأنيقة والفيونكة الضخمة، والمستوحى بالكامل من معطف ديور الأيقوني الكلاسيكي (أريزونا كوت) الذي يعود لعام 1948، في مزيج ساحر بين عراقة التاريخ وحداثة النحت العصرية.



الأكسسوارات كقطع فنية مستقلة: من الطاووس إلى الصبار الكريستالي
في تحليل الشرقاوي، لا تقف الإكسسوارات عند حدود الكماليات، بل هي بطل قائم بذاته على منصة العرض.
ويوضح كيف استوحى أندرسون بعض التصاميم مباشرة من سلسلة أعمال "الطاووس" الأيقونية للفنانة ليندا بنجليس؛ حيث ظهرت العارضات يحملن مراوح ضخمة ملونة ومطرزة بدقة متناهية تشبه ريش الطاووس لتنسدل خلف الفساتين الناعمة كأنها طاووس يتبختر على الـ "ران واي".
ويمتد هذا الشغف بالتشكيل النحتي – كما يصفه الشرقاوي – إلى الحقائب والأحذية؛ حيث برزت حقائب الكلتش المرسومة يدوياً، وحقيبة مذهلة "خطيرة" على شكل نبات الصبار الكروي المرصع بأشواك من الكريستال البراق.
كما يسلط الضوء على الحقيبة المعدنية الفضية التي تحاكي شكل "حيوان المدرع" في لفتة سريالية مدهشة.
وحتى الأحذية (Heels) لم تسلم من هذا الترف الفني، إذ نالت نصيبها من التفاصيل ثلاثية الأبعاد والزهور المبتكرة.





عندما تصبح الموضة تخليداً للفن البصري
يختتم خبير الموضة أحمد الشرقاوي قراءته النقدية بالـتأكيد على أن ما قدمه جوناثان أندرسون يتجاوز المفهوم التقليدي لعروض الأزياء؛ إنه بيان فني يثبت أن الموضة هي أرقى أشكال الفن التطبيقي.
فمن خلال تحويل النسيج إلى ورق مجعد فوق سلك، والحرير إلى معدن سائل، أعاد تعريف حدود الخامات وصياغة علاقة الجسد بالمنحوتة، مؤكداً أن الكوتور ليس مجرد حياكة فاخرة، بل هو لغة بصرية قادرة على تخليد الفنون التشكيلية وبعث الحياة فيها من جديد.

