اليقظة المفرطة.. متلازمة الخوف تلاحق ضحايا التحرش

وشوشة

في ظل تصاعد النقاشات المجتمعية الأخيرة حول قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، فجّر الدكتور كريم غيث، أخصائي الطب النفسي وعلاج الإدمان، صدمة رقمية وتوعوية عبر حسابه الرسمي على منصة "إنستجرام"، بإعادة تسليط الضوء على إحصائية صادرة عن منظمة الأمم المتحدة تفيد بأن نحو 99% من النساء في مصر قد تعرضن لأشكال مختلفة من التحرش. 

هذا الرقم المفزع لم يعد مجرد مؤشر إحصائي، بل هو انعكاس لواقع يومي مرير يعيد صياغة مفهوم "الأمان الإنساني" في المجال العام والخاص.

تحت عنوان "التأثير النفسي للتحرش"، فكّك الدكتور غيث الأبعاد غير المرئية لهذه الظاهرة، مؤكداً أن التحرش ليس حدثاً عابراً ينتهي بانتهاء الموقف، بل هو سلسلة من الانتهاكات المتواصلة التي تلاحق المرأة على مدار يومها؛ بدءاً من وسائل المواصلات الصباحية، مروراً ببيئة العمل والتعرض لابتزاز السلطة الوظيفية من قِبل بعض المديرين، وصولاً إلى الشارع، وحتى داخل غرفهن المغلقة عبر رسائل التحرش الإلكتروني من حسابات مجهولة على منصات التواصل الاجتماعي.

التشريح النفسي لـ "الضغط التراكمي"

يوضح الدكتور غيث أن التعايش اليومي مع غياب المهرب يخلق ما يُعرف بـ "الضغط النفسي التراكمي"، والذي يتلخص في أربعة مظاهر تدميرية تضرب العمق النفسي للضحية:

1 غياب الأمان واليقظة المفرطة: يتحول الشارع أو مقر العمل في وعي الضحية من مساحة للإنتاج والحياة إلى "منطقة تهديد". 

هذا التحول يضع الدماغ في حالة استنفار دائم ويقظة مفرطة لاستشعار الخطر قبل حدوثه، وهو ما يؤدي إلى استنزاف طاقة الجهاز العصبي والنفسي بشكل كامل.

2 الغربة وعدم الفهم: تواجه الكثير من الضحايا جداراً من الصمت أو التهوين المجتمعي؛ حيث تُجابه شكواهن بعبارات نمطية مثل "لا تضخمي الأمر" أو "هذا يحدث للجميع". 

هذه الردود توّلد لدى المرأة شعوراً حاداً بالاقتراب الاغترابي، لإدراكها أن ألمها غير مفهوم ومرفوض مجتمعياً.

3 جلد الذات وتشوه العلاقة بالجسد: بسبب ثقافة "لوم الضحية" السائدة، تتبنى المرأة لاواعياً اتهامات المجتمع، وتبدأ بالبحث عن المشكلة في ذاتها أو ملابسها. 

والمفارقة المؤلمة تكمن في أنه حتى مع تغيير الضحية لنمط لباسها أو طرق سيرها، تظل النتيجة واحدة، مما يثبت أن الأزمة تكمن في سلوك المتجرّد من الإنسانية لا في الضحية.

4 الغضب المكبوت والاضطرابات النفسية: يؤدي العجز عن صد الانتهاك أو الحديث عنه إلى الدخول في حالة "غضب صامت ومكبوت". 

هذا الاحتقان الداخلي يعد البيئة الخصبة لتطور اضطرابات نفسية معقدة، أبرزها الرهاب الاجتماعي، القلق الحاد، والاكتئاب الجسيم.

 

تصحيح المفاهيم: التحرش ليس "تريند"

دعا الدكتور كريم غيث إلى ضرورة إعادة تسمية الأشياء بمسمياتها الصحيحة، مشدداً على أن التحرش ليس ظاهرة حديثة أو "تريند" عابر، بل هو واقع متجذر يتخذ أنماطاً متعددة تتجاوز الاعتداء الجسدي المباشر. 

وأشار إلى أن التحرش اللفظي، الإيحاءات، النكات ذات الطابع الجنسي، التلامس غير المرغوب بدعوى "المزاح"، السخرية المستمرة، واستغلال النفوذ المهني لأغراض جنسية، كلها تقع تحت طائلة الجريمة ذاتها وتحدث ذات الأثر النفسي التدميري.

خارطة الطريق نحو مجتمع آمن

وفي ختام طرحه التوعوي، وضع غيث خطة عمل مجتمعية تتطلب تضافر كافة الجهود للخروج من هذا المأزق الإنساني، ترتكز على محورين أساسيين:

 الدعم القانوني والنفسي البديل للوم: الانتقال من مربع الاستجواب والتشكيك في رواية الضحية إلى مربع التصديق والمساندة المطلقة، ومساعدتها في اتخاذ الخطوات القانونية الرادعة لحمايتها من أي تهديدات تبعية.

 إعادة صياغة المنظومة التربوية: تربية الأجيال الجديدة على أن احترام الحدود الجسدية والنفسية للآخر ليس تفضلاً أخلاقياً، بل هو ركيزة أساسية للصحة النفسية المجتمعية والأمان الإنساني.

 إن تعليم الأطفال بأن التحرش جريمة دينية وإنسانية هو الخط الدفاعي الأول لقطع دابر هذه الظاهرة.

إن الطرح الشجاع الذي قدمه الدكتور كريم غيث يعيد توجيه بوصلة النقاش نحو المركز؛ الجريمة بتمسنا جميعاً كمجتمع، وحماية الصحة النفسية للنساء لم تعد رفاهية، بل هي معركة وجودية لضمان بقاء مجتمع سويّ وآمن.

تم نسخ الرابط