الميزوفونيا.. عندما تصبح الأصوات العادية عدواً للجهاز العصبي

وشوشة

في عالم مليء بالضجيج، قد تمر علينا أصوات عادية مثل مضغ الطعام، أو تكتكة القلم، أو حتى صوت التنفس، دون أدنى اهتمام. لكن بالنسبة لبعض الأشخاص، هذه الأصوات ليست مجرد إزعاج عابر، بل هي بمثابة صاعقة كهربائية تضرب جهازهم العصبي، وتدفعهم نحو حالة من الغضب أو الفزع غير المبرر للآخرين.

 تُعرف هذه الحالة بـ "الميزوفونيا" (Misophonia) أو حساسية الصوت المفرطة.

وفي هذا الصدد، قدمت الدكتورة ماجي الشافعي، أخصائية الصحة النفسية، توضيحاً شاملاً حول طبيعة هذا الاضطرابات حسابها بالإنستغرام ، مؤكدة أن الميزوفونيا ليست مجرد "دلع" أو قلة صبر، بل هي حالة فسيولوجية وعصبية معقدة، يكون فيها الرد العاطفي والجسدي خارجاً عن إرادة الشخص تماماً.

تشريح اللحظة: ماذا يحدث داخل عقل المصاب؟

توضح الدكتورة ماجي الشافعي أن السر يكمن في "اللوزة الدماغية"، وهي الجزء المسؤول عن اكتشاف التهديدات في المخ. 

فعندما يسمع المصاب صوتاً محفزاً، يخطئ المخ في تفسيره ويعتبره "تهديداً خطيراً"، مما يُنشط فوراً نظام "الكر والفر" (Fight-or-Flight).

في تلك اللحظة، يتراجع نشاط الجزء المسؤول عن التفكير المنطقي في الدماغ، وتتولى الغرائز القيادة، فيستعد الجسم للعمل الفوري عبر زيادة ضربات القلب، تشنج العضلات، واندفاع الأدرينالين، وهو ما يفسر رد الفعل العنيف الذي قد يبدو مبالغاً فيه لمن حولهم.

 

محفزات صغيرة وتأثيرات مدمرة

تختلف المحفزات من شخص لآخر، لكن الدكتورة ماجي تشير إلى مجموعة من الأصوات الأكثر شيوعاً التي تثير هذه النوبات، ومنها:

أصوات الفم: مثل المضغ، البلع، أو حركات الشفاه أثناء الحديث.

الأصوات التنفسية: مثل صوت النفس العالي، الشخير، أو العطس.

الأصوات التكرارية: كنقر القلم المتكرر، صوت لوحة المفاتيح، أو وقع الأقدام.

ردود فعل تلقائية.. لا "قلة ذوق"

تؤكد الشافعي على ضرورة فهم أن ردود فعل المصاب، التي قد تصل إلى الغضب المفاجئ أو الرغبة العارمة في الهروب من المكان، هي ردود فعل تلقائية وسريعة. 

وشددت على أن الموضوع ليس له علاقة بـ "قلة الأدب" أو المبالغة، بل هو استجابة بيولوجية بحتة لجهاز عصبي يشعر بالألم من ترددات صوتية معينة.

كيف تدعم شخصاً يعاني من الميزوفونيا؟

بدلاً من إلقاء اللوم أو قول عبارات مثل "لا تكن حساساً"، تنصح الدكتورة ماجي الشافعي باتباع نهج احتوائي. 

البديل الأفضل هو إظهار التفهم عبر قول: "أنا أتفهم أن هذا الموضوع يؤثر عليك بهذه الطريقة.. كيف يمكنني أن أساعدك؟". 

هذا الاعتراف بحقيقة معاناتهم يقلل من الضغط النفسي الواقع عليهم ويساعدهم على الهدوء.

طرق التعايش والحلول المتاحة

على الرغم من كونه اضطراباً مزمناً، إلا أن هناك استراتيجيات تساعد في تقليل حدته، منها:

1. العزل الصوتي: استخدام سدادات الأذن أو سماعات عازلة للضوضاء في الأماكن المزدحمة.

2. الضوضاء البيضاء: تشغيل أصوات خلفية مريحة لتغطية الأصوات المحفزة.

3. تنظيم الجهاز العصبي: ممارسة تمارين التنفس العميق لتهدئة استجابة الجسم.

4. الدعم النفسي: الحصول على تفهم ومساندة من المحيطين، وهو ما تعتبره الدكتورة ماجي "نصف العلاج".

ختاماً، تظل الميزوفونيا معركة صامتة يخوضها الكثيرون يومياً. 
الوعي بهذه الحالة هو الخطوة الأولى نحو بناء بيئة أكثر تعاطفاً وتقبلاً، فالتفهم ليس مجرد لطف، بل هو ضرورة إنسانية لمن يجدون في الصمت ملاذهم الوحيد.

تم نسخ الرابط