هل يعيد مطربو المهرجانات تشكيل أنفسهم؟.. نقاد لـ"وشوشة": الجمهور لم يعد كما كان

وشوشة

شهدت الساحة الغنائية في مصر خلال السنوات الأخيرة حالة من الجدل حول تطور ما يُعرف بأغاني المهرجانات ومؤدييها، ومدى قدرتهم على تغيير شكلهم الفني والتوجه نحو أنماط أكثر تجارية أو رومانسية أو شعبية حديثة، بعيدًا عن الشكل التقليدي الذي ارتبطوا به منذ البداية.

وفي ظل هذا الجدل، يثار تساؤل مهم حول ما إذا كان ما يحدث حاليًا يمثل تغييرًا حقيقيًا في الهوية الفنية لمطربي المهرجانات والراب، أم أنه مجرد تطوير في الشكل الخارجي والتوزيع الموسيقي مع بقاء الجوهر الأساسي كما هو.

وفي هذا السياق يستعرض لكم موقع "وشوشة" آراء عدد من النقاد الموسيقيين في تصريحات خاصة، حول حقيقة ما إذا كان مطربو المهرجانات قد بدأوا بالفعل في “تغيير جلدهم الفني”.

"بيلفظوا أنفاسهم الأخيرة.. وما يحدث ليس تطورًا حقيقيًا بل تغيير في الشكل فقط"

يرى الناقد الموسيقي أحمد السماحي أن كثيرًا من مؤديي الراب والمهرجانات يمرون حاليًا بمرحلة تراجع واضحة، معتبرًا أن بعضهم "يلفظ أنفاسه الأخيرة" فنيًا، على حد وصفه، بعدما لم يعد الشارع المصري يتقبل ما يقدمونه من أعمال وصفها بأنها فارغة من المضمون.

ويشير إلى أن أغاني المهرجانات عندما ظهرت في بدايتها كانت قوية ومختلفة، ونجحت في جذب الجمهور لأنها قدمت لونًا جديدًا ومليئًا بالصخب والتجديد الموسيقي، ما جعل المستمع المصري يقبل عليها بشكل واسع في ذلك الوقت.

لكنّه يوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم تطوير هذا اللون الفني، حيث لم يعمل مؤدوه على تطوير المحتوى أو الشكل الفني بشكل حقيقي، بل اتجهوا في كثير من الأحيان إلى الاعتماد على الحفلات والملاهي الليلية والحفلات الخارجية، دون تقديم تطور موسيقي ملموس.

ويضيف أن ما يحدث حاليًا لا يمكن وصفه بأنه تطور فني حقيقي، بل هو مجرد تطوير في الشكل الخارجي واللوك العام، مع بعض محاولات التعاون مع موزعين موسيقيين لإدخال تحسينات على التوزيع أو اختيار كلمات أقل حدة، لكنها لا ترقى لتغيير جوهري في الهوية الفنية.

ويرى أن الجمهور المصري بطبيعته يميل إلى الغناء الذي يحمل مضمونًا وجدانيًا أو عاطفيًا، بينما ما يقدم في هذا اللون يعتمد في كثير من الأحيان على الإيقاع أكثر من المحتوى.

كما يربط بين تراجع هذا اللون الفني وتغير أجيال المستمعين، موضحًا أن الشباب الذين ارتبطوا بهذا النوع من الغناء في بداياته أصبحوا الآن أكثر نضجًا، وبالتالي تغير ذوقهم الفني تدريجيًا.

ويختتم بأن ما يُعرف بمؤديي المهرجانات والراب يمثلون ظاهرة فنية بدأت في الصعود بقوة منذ 2011 تقريبًا، لكنها الآن تمر بمرحلة تراجع واضحة، مع بقاء بعض الأسماء التي تحاول تطوير نفسها بشكل محدود.

"المهرجانات والراب نفس الفكرة.. واللي بيحصل تطوير مش تغيير جلد حقيقي"

أما الناقد الموسيقي محمد شميس فيرى أن مصطلح "مهرجانات" نفسه ليس تصنيفًا موسيقيًا أكاديميًا، بل هو وصف شعبي للأغاني التي تعتمد على إيقاع مقسوم وطابع شعبي، مشيرًا إلى أن هذا اللون لم يشهد تغييرًا جذريًا في بنيته حتى الآن.

ويؤكد أن هناك تشابهًا كبيرًا بين الراب والمهرجانات من حيث الفكرة العامة، حيث يعتمد كلاهما على التعبير عن الواقع الاجتماعي، سواء من خلال الحديث عن الظروف المعيشية أو البيئة التي نشأ فيها الفنان، أو حتى استعراض التجارب الشخصية.

ويشير إلى أن ما يحدث حاليًا لا يمكن اعتباره “تغيير جلد” حقيقي، بل هو استمرار لنفس الشكل مع بعض التطوير في التوزيع الموسيقي أو تحسين الأداء الصوتي أو التعاون مع بعض صناع الموسيقى الأكثر احترافية.

ويضرب مثالًا بالفنان حودة بندق، موضحًا أنه من بين القلائل الذين حاولوا اتخاذ مسار مختلف نسبيًا من خلال التعاون مع أسماء موسيقية معروفة مثل عزيز الشافعي والدكتور يحيى يوسف، وطرح أعمال مثل "خيبت توقعاتك" و"مزاج" تتر مسلسل "مناعة".

ويضيف أن بعض الأسماء مثل عنبة اقتربت في بعض أعمالها من شكل الراب، لكن يظل ذلك في إطار “الراب الشعبي” وليس الراب بالمعنى الأمريكي أو العالمي، وإنما هو شكل محلي يحمل نفس الروح ولكن بصياغة مختلفة.

ويختتم بأن ما يحدث في الساحة الغنائية لا يمثل تغيير هوية كاملة لمطربي المهرجانات، بل هو تطور تدريجي في الشكل فقط، بينما تظل الهوية الأساسية لهذا اللون قائمة كما هي.

"لم يغيروا جلدهم.. وما يحدث مجرد تغير فرضته الظروف وليس تطورًا حقيقيًا"

ويرى الناقد الموسيقي أشرف عبد الرحمن أن ما يُقال عن تغيير مطربي المهرجانات لجلدهم الفني والاتجاه إلى ألوان رومانسية أو شعبية حديثة، غير دقيق إلى حد كبير، مؤكدًا أنهم لم ينجحوا في إحداث تحول حقيقي في هويتهم الفنية، وأن ما يحدث هو مجرد "تغير" وليس "تطور".

ويوضح أن هذا التغير لم يكن نابعًا من رؤية فنية أو رغبة حقيقية في التجديد، بل فرض عليهم نتيجة حالة الملل التي أصابت الجمهور من تكرار نفس الأسلوب الغنائي والكلمات والألحان، وهو ما دفعهم لمحاولة تقديم أشكال مختلفة، لكنها لا تزال تدور في نفس الإطار.

ويشير إلى أن مطربي المهرجانات تعرضوا لموجات نقد حادة منذ بداية ظهورهم، خاصة بسبب طبيعة الكلمات التي كانت تُقدم، والتي وصفها بأنها لم تقتصر على الإسفاف فقط، بل وصلت أحيانًا إلى ألفاظ تحمل إيحاءات غير مقبولة وتحرض على العنف، وهو ما أثار رفضًا مجتمعيًا واسعًا.

ويضيف أن الأزمات التي تعرضوا لها، وعلى رأسها قرارات المنع من الغناء في فترات سابقة خلال فترة تولي الفنان هاني شاكر منصب نقيب المهن الموسيقية، كان لها دور كبير في إجبارهم على تغيير شكل ما يقدمونه، ولكن دون أن يمتلكوا الأدوات الحقيقية لهذا التحول.

ويؤكد أن هناك فارقًا واضحًا بين "التغير" و"التطور"، موضحًا أن التطور يعني الانتقال إلى مستوى أفضل من حيث الكلمة واللحن والمضمون، بينما التغير قد يكون مجرد تبديل شكلي لا يعكس تحسنًا حقيقيًا، وهو ما ينطبق من وجهة نظره على حالة مطربي المهرجانات حاليًا.

كما يرفض اعتبار ما يقدمونه امتدادًا للغناء الشعبي الحديث، مشيرًا إلى أن هذا اللون أقرب إلى كونه "غناءً شبابيًا" ظهر في فترة معينة، وسيتغير مع تغير الأجيال والظروف الاجتماعية.

ويستعيد تطور الظاهرة، موضحًا أن انتشار مطربي المهرجانات جاء في الأساس مع ظهور الإنترنت كوسيلة سهلة وسريعة للوصول إلى الجمهور، وهو ما ساعدهم على تحقيق شهرة واسعة في فترة قصيرة، لكنه يؤكد أن نجمهم بدأ في التراجع مؤخرًا، وأصبح اعتمادهم الأكبر على الحفلات خارج مصر.

ويضع هذا في سياق تاريخي أوسع، مشيرًا إلى أن الغناء المصري مر بمراحل مشابهة، حيث ظهرت موجات من الغناء الهابط في فترات سابقة، مثل ما حدث بعد عام 1914 مع فرض الحماية البريطانية على مصر، حين تم إغلاق أماكن الفن والغناء، وظهرت وقتها أشكال من الغناء الهابط في الكازينوهات.

ويضيف أن هذا الوضع تغير لاحقًا مع إنشاء الإذاعة المصرية عام 1934، حيث تم تشكيل لجان لتقييم الأصوات والنصوص، وهو ما ساهم في ضبط مستوى الأغاني المقدمة للجمهور.

كما يشير إلى أن فترات لاحقة، خاصة في السبعينيات بعد عام 1977، شهدت أيضًا تحولات في شكل الغناء الشعبي مع ظهور نجوم مثل أحمد عدوية، نتيجة لظروف اجتماعية وثقافية مختلفة.

ويرى أن ما يحدث حاليًا يأتي في إطار تغيرات أوسع يشهدها العالم، خاصة مع دخول عصر التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، الذي أصبح قادرًا على إنتاج أغانٍ كاملة من حيث اللحن والتوزيع وحتى الأداء الصوتي، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور أشكال جديدة تمامًا من الموسيقى في المستقبل.

وفيما يتعلق ببعض الأسماء، يشير إلى أن هناك فروقًا بين المطربين، موضحًا أن عمر كمال يعد من الأصوات التي يمكن أن تقدم شكلًا مختلفًا نسبيًا، خاصة مع امتلاكه خامة صوتية أقرب للغناء التقليدي، بينما يرى أن نجاح بعض أعماله الرومانسية جاء نتيجة ظروف إنتاجية، مثل تقديمه ألحانًا كانت في الأصل مخصصة للفنان محمد فؤاد، وليس نتيجة تحول فني مقصود.

ويختتم بأن مطربي المهرجانات لم يغيروا جلدهم بالشكل الذي يُروج له، وأن ما يحدث هو تحرك عشوائي تفرضه الظروف والإنتاج، وليس نتيجة وعي فني أو مشروع تطوير حقيقي، مؤكدًا أنهم لا يمتلكون حتى الآن الأدوات أو الفكر الذي يمكنهم من تحقيق هذا التحول.

تم نسخ الرابط