لماذا يتجه صناع الدراما المصرية للاقتباس؟.. نقاد يجيبون

وشوشة

شهدت الدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة اتجاهًا متزايدًا نحو الأعمال المقتبسة، سواء من الواقع أو من أعمال أجنبية وهو ما أثار جدلًا واسعًا بين النقاد والجمهور حول ما إذا كانت الدراما فقدت هويتها الأصلية، أم أن الاقتباس يمثل شكلًا من أشكال التطور والانفتاح الفني.

 وبين هذا وذاك، تتباين الآراء النقدية حول حدود الاقتباس المقبول، والفارق بين الإبداع والتقليد، ومدى قدرة صناع الدراما على تقديم معالجة جديدة تحافظ على الهوية المصرية.

الناقد أحمد سعد الدين: الاقتباس ليس فقرًا تأليفيًا لكن المشكلة في التنفيذ

يرى الناقد أحمد سعد الدين أن فكرة الاقتباس في حد ذاتها ليست مشكلة، موضحًا أن الدراما بطبيعتها انعكاس للواقع، ويمكن للكاتب أن يستلهم حادثة أو رواية أو فكرة ويعيد توظيفها دراميًا بشكل مختلف.

 وأشار إلى أن الأزمة لا تكمن في الاقتباس، بل في النقل الحرفي دون معالجة فنية جديدة.

وأوضح الناقد أحمد سعد الدين في تصريح خاص لـ" وشوشة " أن براعة الكاتب تظهر في قدرته على أخذ “روح الموضوع” وتقديمه في قالب يناسب الدراما التلفزيونية، مؤكدًا أن ذلك لا يمكن اعتباره فقرًا تأليفيًا. 

وأضاف أن الفقر التأليفي الحقيقي يظهر عند إعادة تقديم أعمال قديمة كما هي دون تطوير، معتبرًا أن الدراما لها الحق في الاستفادة من الواقع، لكن نجاح ذلك يتوقف على خيال الكاتب وقدرته على إعادة الصياغة.

وأشار سعد الدين إلى أن كتابًا كبارًا استطاعوا توظيف الواقع ببراعة مثل وحيد حامد وأسامة أنور عكاشة، حيث كانوا يستلهمون الموضوعات دون أن يشعر المشاهد بمصدرها المباشر، بينما المشكلة في بعض الأعمال الحالية تكمن في أن الاقتباس يكون قريبًا جدًا من الأصل بسبب غياب الخيال الكافي لدى بعض الكتاب.

الناقد مصطفى الكيلاني: الاقتباس جزء أصيل من تاريخ الفنون

من جانبه، أكد الناقد السينمائي مصطفى الكيلاني أن الأعمال المقتبسة ليست إشكالية في حد ذاتها، مشيرًا إلى أن الاقتباس جزء أصيل من تاريخ الفنون عبر العصور. 

وأوضح الناقد مصطفى الكيلاني في تصريح خاص لـ" وشوشة " أن التجارب العالمية تثبت ذلك، حيث ما تزال أعمال ويليام شكسبير تُعاد صياغتها وتقديمها حتى اليوم في المسرح والسينما برؤى مختلفة.

وأضاف أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الاقتباس، بل في آليات تنفيذه، لافتًا إلى أن بعض الأعمال تقع في أخطاء مهنية، مثل عدم الإشارة إلى المصادر الأصلية، وهو ما يعد إخلالًا بالمعايير الأخلاقية وحقوق الملكية الفكرية. كما أشار إلى نمط من الاقتباس يعتمد على النقل الحرفي “مشهدًا بمشهد” أو “كادرًا بكادر”، وهو ما يفقد العمل قيمته الإبداعية.

وشدد الكيلاني على أن الاقتباس الحقيقي يجب أن يقوم على إعادة إنتاج الفكرة في سياق جديد يعكس خصوصية البيئة المحلية، ويمنح النص روحًا مختلفة. 

وأكد أن الفن يستند في جوهره إلى الواقع، مشيرًا إلى أن الدراما المصرية قدمت نماذج ناجحة مستلهمة من الواقع استطاعت تحقيق تواصل حقيقي مع الجمهور.

واختتم تصريحه بالتأكيد على أن معيار تقييم العمل الفني لا يرتبط بمصدر الفكرة، بل بجودة المعالجة، وصدق التجربة، وقدرة العمل على تقديم رؤية إنسانية أصيلة تحترم وعي المشاهد.

الناقد رامي المتولي: الدراما المصرية لم تفقد هويتها

بدوره، يرى الناقد رامي المتولي أن الدراما المصرية لم تفقد هويتها في أي مرحلة، حتى مع الأعمال التي تم إنتاجها في الخارج، مؤكدًا أنها حافظت على الطابع المصري شكلًا وموضوعًا.

 وأوضح الناقد رامي المتولي في تصريح خاص لـ" وشوشة " أن الاقتباس غالبًا ما يتم مع “تمصير” واضح يمنح العمل هوية مصرية مميزة.

وأشار المتولي إلى أن الانفتاح على الثقافات الأخرى لا يعني الإفلاس الإبداعي، بل قد يمثل تحديًا أكبر في تقديم معالجة محلية مختلفة واستشهد بعدد من الأعمال التي اقتبست من تجارب أجنبية ونجحت بعد تمصيرها، مثل “هبة رجل الغراب” و“الباب في الباب” و“جراند أوتيل”، معتبرًا أن هذه التجارب تؤكد أن الاقتباس يمكن أن يكون نقطة قوة وليس ضعفًا.

بين الاقتباس والهوية

في ضوء هذه الآراء، يتضح أن الجدل حول الاقتباس لا يتعلق بفكرة الاقتباس نفسها، بل بطريقة التعامل معها. فبينما يرى بعض النقاد أن المشكلة تكمن في النقل الحرفي وضعف المعالجة، يؤكد آخرون أن الاقتباس يمثل أداة إبداعية مشروعة إذا تم توظيفها بشكل يحافظ على الهوية المحلية وبين هذا وذاك، تبقى جودة الكتابة والرؤية الفنية هي الفيصل الحقيقي في تحديد ما إذا كان الاقتباس ضعفًا أم تطورًا في مسار الدراما المصرية.

تم نسخ الرابط