أشهر ابتهال رمضاني.. قصة أغنية "مولاي إني ببابك"
لكل عمل ديني حكاية قد لا يعرفها كثيرون حكاية تختلط فيها الروح بالإبداع والتردد بالإصرار، لتخرج في النهاية قطعة فنية خالدة تعيش في وجدان الناس لعقود طويلة وهو ما ينطبق على الابتهال الشهير مولاي إني ببابك الذي ارتبط اسمه بشهر رمضان والمناسبات الدينية وأصبح جزءًا ثابتًا من الذاكرة السمعية للمصريين والعرب.
وفي إطار سلسلة "وشوشة" التي تستعرض قصص الأعمال الغنائية التي تركت أثرًا لا يمحى في وجدان الجمهور نسلط الضوء على كواليس "مولاي إني ببابك"، ذلك العمل الذي جمع بين صوت الشيخ سيد النقشبندي وألحان الموسيقار بليغ حمدي بترتيب غير متوقع كان وراءه الرئيس الراحل محمد أنور السادات.
البداية من بيت السادات
تعود القصة إلى ما قبل أن يصبح أنور السادات رئيسًا للجمهورية إذ كان على معرفة بالشيخ سيد النقشبندي ووجه إليه الدعوة لإحياء حفل خطبة إحدى بناته وكان من بين الحضور الموسيقار بليغ حمدي.
وخلال الأمسية، التفت السادات إلى بليغ حمدي وقال له: "أريد أن أسمعك مع النقشبندي" في طلب بدا مفاجئًا، إذ لم يكن معتادًا الجمع بين صوت ابتهالي خالص وملحن اشتهر بالأغاني العاطفية والطربية.
ولم يكتفِ السادات بالفكرة بل كلف الإذاعي وجدي الحكيم بتوفير استوديو الإذاعة لإنتاج عمل يجمع بينهما لتبدأ واحدة من أهم التجارب الفنية في تاريخ الابتهالات.
دهشة بليغ وتحفظ النقشبندي
بليغ حمدي، الذي لم يسبق له تقديم ألحان في هذا اللون الروحاني من قبل، أبدى دهشته من طلب السادات، لكنه تحمس للفكرة ووعد الشيخ النقشبندي بأنه سيقدم له "لحن يعيش 100 سنة"، وهو وعد لم يكن عابرًا بل تحديًا حقيقيًا لنفسه قبل أن يكون للنقشبندي.
أما الشيخ سيد النقشبندي، فكان موقفه في البداية متحفظًا، إذ رأى أن إدخال اللحن الموسيقي على الابتهال قد يفقده شيئًا من هيبته وخشوعه واعتقد أن الابتهال يجب أن يظل قائمًا على الصوت وحده دون تدخل لحني واضح، لكنه وافق في النهاية وإن كان ذلك على استحياء.
إشارة عمامة حسمت المصير
يروي وجدي الحكيم أن النقشبندي اتفق معه سرًا على إشارة يفهمها دون أن يتحدث أمام بليغ حمدي وكانت الإشارة بسيطة لكنها معبرة إذا أعجبته ألحان بليغ سيخلع عمامته أما إذا لم تعجبه فسيُبقيها على رأسه.
وبعد أن جمعتهما جلسة عمل استمرت نحو نصف ساعة دخل الحكيم إلى الاستوديو فوجد النقشبندي قد خلع العمامة والجبة التي كان يرتديها فوق القفطان، ففهم فورًا أن اللحن قد نال إعجابه وأن التجربة كتب لها النجاح منذ اللحظة الأولى.
أشهر الابتهالات.. "مولاي إني ببابك"
خرج "مولاي إني ببابك" إلى النور ليصبح واحدًا من أشهر الابتهالات في تاريخ الإذاعة المصرية وارتبط بصوت النقشبندي في أذهان أجيال متعاقبة خصوصًا في شهر رمضان، حيث يتردد مطلعه الشهير: "مَولاي إني ببابك قد بسطت يدي من لي ألوذ به إلا ك يا سندي؟" في البيوت والشوارع والمساجد.
واللافت أن التعاون بين بليغ حمدي وسيد النقشبندي لم يتوقف عند هذا العمل، إذ لحن بليغ للنقشبندي خمسة أعمال أخرى بعد النجاح الكبير الذي حققاه معًا في تجربة أكدت أن الموسيقى يمكن أن تتكامل مع الابتهال دون أن تنتقص من روحانيته ورغم النجاح الواسع الذي حققته هذه الأعمال، فإن الاثنين لم يتقاضيا أجرًا عن موشحاتهما التي قدماها للإذاعة المصرية في موقف يعكس تقديرهما لقيمة الفن الديني ورسالته.

