خدعة فنية.. كيف أجبرت زهرة العلا على تقديم دور الأم في "اللقاء الثاني"؟

وشوشة

تحل اليوم ذكرى رحيل الفنانة زهرة العلا، التي غادرت عالمنا تاركة إرثًا فنيًا غنيًا امتد لعقود طويلة، حفر اسمها في ذاكرة الجمهور بأدوارها التي امتازت بالصدق والعمق، وجعلتها رمزًا للفن الراقي في السينما والمسرح والتلفزيون.

ميلاد زهرة العلا وبداياتها الأسرية

ولدت زهرة العلا محمد بكير في 10 يونيو 1934 بمدينة الإسكندرية، في حي محرم بك، من أم ريفية ووالد من أصول تركية، وكانت الرابعة بين خمسة أشقاء.

وتنقلت عائلتها بين مدن مختلفة قبل أن تستقر في القاهرة، حيث بدأ شغفها بالفن يظهر منذ الطفولة المبكرة، مدفوعة بتشجيع والدها الذي لمس موهبتها قبل الجميع.

خدعة فنية دفعت زهرة العلا لتجسيد دور الأم في "اللقاء الثاني"

كانت الفنانة زهرة العلا متزوجة من المخرج حسن الصيفي، وفي عام 1966 كان الصيفي يعمل على فيلمه الجديد "اللقاء الثاني" الذي جمع النجمة سعاد حسني والفنان أحمد مظهر، وكان من إنتاج آسيا داغر.

تحكي زهرة العلا خلال لقاء لها مع الإعلامية فريال صالح، أن الفيلم احتوى على دور أم لسعاد حسني، وقد تم عرضه على عدة فنانات أخريات، لكن جميعهن رفضن أداء هذا الدور.

وعندما علمت المنتجة آسيا داغر بالأمر، توجهت إلى زهرة العلا في غياب زوجها حسن الصيفي محاولةً إقناعها بتقديم الدور، لكنها رفضت في البداية. لم تتوقف آسيا داغر عن محاولة الإقناع، مؤكدة أن الفيلم سيتوقف إذا لم يتم تصوير المشاهد، وأن الديكور سيتعرض للهدم، لكن زهرة العلا أبدت رفضها لأداء دور أكبر من سنها في ذلك الوقت، مشيرة إلى أنها ما تزال شابة ولا ترى نفسها مناسبة لدور الأم.

عند عودة زوجها، حدثت بينهما مشادة بسبب رفضها، إلا أن حسن الصيفي اقترح حلاً مبتكرًا، وهو تصوير مشاهد “فلاش باك” تظهر فيها زهرة العلا في سنها الأصغر، بحيث يشاهدها الجمهور في شبابها، وفي الوقت نفسه تؤدي دور الأم. إلا أن تصوير هذه المشاهد لم يتم في النهاية، وانتهى العمل مع هدم الديكور، مما أحزن زهرة العلا كثيرًا في البداية.

ومع نجاح الفيلم بعد عرضه، استضافتها إحدى البرامج التلفزيونية، حيث تم عرض صورة لها في سنها الأصغر إلى جانب أدائها لدور الأم، ولاحظ الجمهور التباين والفارق، وأشادوا بتمكنها من أداء الدور بشكل مميز.

ومن تلك التجربة، أدركت زهرة العلا أهمية عدم رفض الأدوار التي قد تبدو أكبر من سنها، وقررت أن تكون أكثر مرونة في تقبل تقديم أدوار تتجاوز سنها الفعلي، مع الاعتماد على موهبتها وخبرتها الفنية لتقديم الشخصية بشكل مؤثر.

حكاية طريفة من طفولتها

روت زهرة العلا في لقاء تلفزيوني سابق، أنها وقعت في حب الفنانة ليلى مراد وهي في سن الثانية عشرة بعد مشاهدة فيلم "ليلى بنت الفقراء"، فكانت تغلق باب غرفتها بحجة المذاكرة بينما تجمع صديقاتها لتقليد مشاهد الفيلم وتجسيد أدواره أمام المرآة.

وقد أدى ذلك إلى عقابها من أسرتها بسبب إهمالها للمذاكرة، لكنها استمرت في شغفها بالفن، فيما لاحظ والدها ميولها الفنية وشجعها على متابعة حلمها.

من اكتشف موهبتها؟

كان والدها هو من اكتشف موهبتها ودعمها منذ الصغر، حيث كان صديق يوسف وهبي، وقد أخذها إلى مسرح رمسيس للقاء الفنانين الكبار، لكنه حرص على أن تتلقى تعليمها الفني بشكل منظم حتى تكبر وتصبح جاهزة للمشاركة في عالم الفن بشكل احترافي.

وقد التقت زهرة العلا بأمينة رزق أيضًا، التي أكدت ضرورة التحاقها بالمعهد العالي للفنون المسرحية قبل الدخول للمجال الفني.

البداية المسرحية والمهنية

بدأت زهرة العلا مسيرتها على خشبة المسرح، حيث انضمت لفرقة زكي طليمات وقدمت مسرحيات عديدة أبرزها: “البخيل”، “مريض بالوهم”، “فتش عن المرأة”، و”7 فرخات وديك”، ثم انضمت لفرقة إسماعيل ياسين وشاركت معه في عدة أعمال مسرحية وسينمائية، قبل أن تقدم مسرحية “حواء الساعة 12”.

البداية السينمائية

في أوائل الخمسينيات، انطلقت زهرة العلا من المسرح إلى السينما، حيث قدمت أول أدوارها في فيلم “خدعني أبي” عام 1951، وفي العام نفسه شاركت في فيلم “أنا بنت ناس”، الذي اعتبره الجمهور نقطة الانطلاق الفعلية لها، وفتحت أمامها أبواب الشهرة والنجاح.

أبرز أعمالها السينمائية

قدمت زهرة العلا نحو 120 فيلمًا، منها “أيامنا الحلوة” (1955)، “رد قلبي” (1957)، “جميلة” (1958)، و”دعاء الكروان” (1959)، الذي يعد من أهم أعمالها السينمائية.

كما تعاونت مع كبار نجوم السينما المصرية، من بينهم إسماعيل يس في “إسماعيل يس في الأسطول”، “إسماعيل يس في البوليس”، و”ملك البترول”، وعبد المنعم إبراهيم في “سر طاقية الإخفاء”، ورشدي أباظة وعمر الشريف في “في بيتنا رجل”، وفاتن حمامة في “موعد غرام”.

أعمالها التلفزيونية والإذاعية

على صعيد التلفزيون، قدمت زهرة العلا العديد من المسلسلات التي تركت بصمة واضحة، منها: “إني راحلة”، “أم العروسة”، “لقيطة”، “على هامش السيرة”، “أيها الحب لا تهجرني”، “السوار القاتل”، “زهور وأشواك”، “حكايات هو وهي”، “رحلة السيد أبو العلا البشري”، “الحب وأشياء أخرى”، و”الزوجة أول من يعلم”.

كما شكلت أعمالها الإذاعية جزءًا مهمًا من مسيرتها الفنية، مثل “اللهم إني صايم”، “لن أعيش في جلباب أبي”، “صيف حار جدًا”، “أبو الحسن العبيط”، “السر الرهيب”، و”أهلك لتهلك”.

آخر أعمالها وانقطاعها عن الفن

كان فيلم "أرض أرض" عام 1991 آخر أعمالها السينمائية، وبعده امتنعت عن الظهور الإعلامي والمهرجانات الرسمية حتى وفاتها، مكتفية بما قدمته من إرث فني كبير أثر في الجمهور والنقاد على حد سواء.

الحياة الشخصية والتكريمات

تزوجت زهرة العلا عدة مرات، أبرزها زواجها من المخرج حسن الصيفي الذي دام نحو 45 سنة وأنجبت منه ابنتين هما منال وأمل الصيفي، حيث اتبعت منال طريق والدتها في الفن وأصبحت مخرجة.

وحصلت زهرة العلا على العديد من التكريمات، من بينها تكريم المركز الكاثوليكي في مصر عام 2010، كما أدرجت عدة أفلام لها ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في السينما المصرية.

رحيل زهرة العلا

رحلت زهرة العلا عن عالمنا في 18 ديسمبر 2013 عن عمر ناهز 79 عامًا، تاركة إرثًا فنيًا طويلًا ومميزًا، جعل اسمها خالدًا في ذاكرة الجمهور، لما امتلكته من حضور فني راقٍ وموهبة استثنائية، وكانت مثالًا للفنانة التي تجمع بين الإبداع والصدق في الأداء، وتظل أيقونة لا تنسى في تاريخ الفن المصري والعربي.

تم نسخ الرابط