تحدثنا في خمسة مقالات سابقة عن خمسة ملحنين في حياة كوكب الشرق . 
و الآن حان الموعد مع أصغرهم عمراً و إن كان من أكثرهم أثراً في مشوارها الفني وهو (بليغ حمدي).
بدأ التعاون بينهما بأغنية (حب إيه) بكلمات الشاعر الشاب أيضاً أيامها (عبدالوهاب محمد) و من المهم أن نعيش في أجواء  تلك المرحلة الفنية المهمة في حياة كوكب الشرق . 


كانت قد آقتربت من الستين عاما وإن كانت مازالت تحتفظ بسحرها في قلوب الملايين ولكن عقلها وفكرها اللذين لا يقلان عبقرية عن صوتها همسا لها أنه قد آن أوان التجديد ! 


(القصبجي) نضبت موهبته و تحول من مبدع إلي عازف ! (أنظر المقال رقم ٢) و (السنباطي) مازال مبدعاً و لكن بينهما بعض الخلافات (إنظر المقال رقم ٣) و (زكريا أحمد) بينهما قضايا و محاكمات ! (إنظر المقال رقم ٢) . و كانت قد بدأت فعلا في التعاون مع الملحن الشاب (محمد الموجي) و لكن في أغانٍ وطنية و دينية (إنظر المقال رقم ٥) . أما كبيرهم الذي علمهم الفن (موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب) فمازال التردد بينهما هو سيد الموقف ! لا لعيب في أحدهما بل بالعكس فإن التخوف كان  بسبب أنهما قمتين في الغناء من ناحيتها و في الموسيقي من ناحيته ! وهو ماسيؤخر(لقاء السحاب) بينهما خمس سنوات من الآن (أنظر المقال رقم ٧ ) .


وجدت ضالتها في الموسيقار الموهوب (محمد فوزي) و لكنه بكل إيثار و أخلاق رشح لها الملحن الشاب (بليغ حمدي) بدلاً منه إيماناً منه بموهبته الفياضة من ناحية و إيثاراً للسلامة من ناحية أخري لأن شخصية و ألحان (فوزي) البسيطة الرقيقة و ألحانه الشعبية القصيرة قد لا تتناسب مع شخصية (أم كلثوم) و جمهورها و وصلاتها الغنائية الكلاسيكية .


المهم نجح اللقاء الأول في أغنية (حب إيه) و دفع الملحن الشاب (بليغ حمدي ) بدماء جديدة في فن (أم كلثوم) ولكننا سنشعر أن ذلك الشاب الموهوب لم يقدم بعد كل ما في جعبته ربما بفعل رهبة العمل الأول مع كوكب الشرق بجلالة قدرها . 


نستطيع أن نقول أن (بليغ حمدي) بدأ بدايته الحقيقية فعلاً مع رائعة (مرسي جميل عزيز) (سيرة الحب)  التي فاقت روعتها (حب إيه) و (ظلمنا الحب) و (كل ليلة وكل كل يوم) . وأتبع (بليغ) درة (سيرة الحب) بدرة أجمل منها و هي رائعة(بعيد عنك ) لمأمون الشناوي . 
أما أغنية (أنساك) (لمأمون الشناوي) أيضاً فلها قصة ! يقال أن (أم كلثوم) كلفت بها مرة أخري (محمد فوزي) ! و أنه لحن المطلع فعلاً هذة المرة ! و لكنه تركها (لثاني مرة) (لبليغ حمدي) الذي أكمل تلحينها بعد المطلع . و إذا إستمعت إليها فعلا تشعر روح (محمد فوزي) في المقدمة القصيرة البسيطة نسبياً و في لحن المطلع البسيط نوعاً ما . أما المقاطع الرائعة مثل(كان لك معايا أجمل حكاية في العمر كله ) ثم النقلة المبهرة في لحظة : (سنين و مرت ... زي الثواني في حبك إنت ! و إن كنت أقدر ... أحب تاني احبك أنت ) فتظهر فيها فعلا شخصية (بليغ حمدي) !


و بعد ذلك ظهر في الصورة
(محمد عبدالوهاب) في
(لقاء السحاب) 
فكان له دور كبير في أعمال (بليغ ) الكلثومية فظهرت (ثلاث درر) لها مقدمات ضخمة و توزيعات فخمة يحاكي فيها (بليغ حمدي) أستاذه (محمد عبدالوهاب) وهي روائع : 


(ألف ليلة و ليلة) و (فات المعاد) (مرسي جميل عزيز) و (الحب كله) (أحمد شفيق كامل ).
و لكن للأسف لم يأت مسك الختام ففي آخر سنة في حياتها قدم لها(حكم علينا الهوي) و لضعف صحتها الغالية سجلتها علي إسطوانة و جاء اللحن مرتبكاً به أجزاء جيدة و أخري ضعيفة نوعاً ما ! و لحسن الحظ انها لم تواجه بها جمهورها العاشق لها  و له !
ولكن باستثناء ذلك العمل فيمكن القول بكل إطمئنان أن ذلك الملحن الشاب الموهوب(بليغ حمدي) و هو أصغر من لحن لكوكب الشرق   إستطاع أن يحدث أكبر الأثر في مسيرتها الفنية الخالدة و أن يسجل إسمه بحروف من نور في قائمة الكبار الذين لحنوا لها من الموعودين ! 
و أن يكتب لها مع أستاذه 
(محمد عبدالوهاب) عمراً إضافياً فنياً جديداً عشرات السنين ! 
فسلام عليهم جميعاً في الخالدين !

تم نسخ الرابط