صناع المحتوى في مرمى الانتقادات.. هل تفتح النقابات أبوابها أمامهم؟
فرض صناع المحتوى والمؤثرون أنفسهم بقوة على المشهد الإعلامي خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة واسعة للتأثير في الرأي العام وتشكيل اهتمامات الجمهور، ولم يعد دورهم مقتصرًا على تقديم الفيديوهات الترفيهية أو مشاركة تفاصيل حياتهم اليومية، بل امتد إلى مناقشة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتقديم المعلومات والتحليلات التي يتابعها الملايين.
ومع هذا الانتشار الواسع، ظهرت تساؤلات حول طبيعة عمل هذه الفئة، ومدى التزامها بالمعايير المهنية والأخلاقية، خاصة في ظل وجود نماذج تقدم محتوى هادفًا يعتمد على البحث والمعرفة، وأخرى تثير الجدل بسبب الاعتماد على الشائعات والخلافات الشخصية وملاحقة التريند لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، وهو ما أعاد فتح النقاش حول ضرورة تنظيم هذه المهنة وتحديد حقوق العاملين بها ومسؤولياتهم.
اجتماع ضياء رشوان يعيد الملف إلى الواجهة
وفي هذا السياق، عقد الكاتب الصحفي ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، لقاءً موسعًا مع نخبة من أبرز المؤثرين وصناع المحتوى الرقمي في مصر، ضمت نحو 70 متخصصًا في المحتوى الجاد بمختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتكنولوجية، وتجاوز إجمالي عدد المتابعين الدائمين للمشاركين 500 مليون متابع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وشهد اللقاء مناقشة مستقبل صناعة المحتوى والتحديات التي تواجه العاملين بها، إلى جانب طرح مقترحات لتنظيم المجال وحماية حقوق المحترفين، من بينها تخصيص مسارات عضوية لصناع المحتوى داخل نقابتي الصحفيين والإعلاميين.
من الهواية إلى المهنة.. صناعة المحتوى أصبحت واقعًا
لم تعد صناعة المحتوى مجرد نشاط يمارسه البعض في أوقات الفراغ، بل تحولت إلى مجال عمل متكامل يعتمد عليه عدد كبير من الشباب، ويضم تخصصات مختلفة تشمل إعداد الأفكار والبحث والكتابة والتصوير والمونتاج والتسويق الرقمي وإدارة المنصات.
كما ظهرت فئة من صناع المحتوى المتخصصين في مجالات بعينها، مثل الاقتصاد والسياسة والرياضة والتكنولوجيا والثقافة، واستطاعوا تقديم معلومات وتحليلات بصورة مبسطة تناسب طبيعة المنصات الرقمية، وهو ما جعلهم مصدرًا للمعلومات لدى قطاعات واسعة من الجمهور.
لكن هذا التطور يفرض ضرورة إعادة النظر في طبيعة هذه المهنة، خاصة أن من يمارسها بصورة احترافية يحتاج إلى حقوق تحمي مجهوده الفكري، وتضمن عدم استغلال محتواه دون إذن، فضلًا عن توفير فرص التدريب والتطوير.
الشهرة وحدها لا تصنع إعلاميًا.. لماذا يتعرض صناع المحتوى للانتقادات؟
رغم وجود نماذج ناجحة تقدم محتوى هادفًا، فإن بعض الممارسات ساهمت في وضع صناع المحتوى تحت دائرة الانتقادات، بعدما أصبح تحقيق المشاهدات والتريند هدفًا لدى البعض، حتى لو كان ذلك على حساب المصداقية أو خصوصية الآخرين.
وتظهر هذه الإشكالية في انتشار مقاطع تعتمد على افتعال الخلافات، أو كشف تفاصيل الحياة الشخصية، أو تداول معلومات غير موثقة، فضلًا عن تقديم نصائح في مجالات متخصصة دون امتلاك المعرفة الكافية، وهو ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور والتأثير في قراراته.
ومن هنا تبرز أهمية التفرقة بين الشهرة والكفاءة، فعدد المتابعين لا يمثل وحده دليلًا على الاحتراف، كما أن القدرة على جذب الجمهور لا تعني بالضرورة امتلاك الأدوات المهنية اللازمة.
هل تستوعب النقابات صناع المحتوى؟
يأتي ملف الانضمام إلى النقابات المهنية في مقدمة التساؤلات المطروحة، خاصة مع المقترحات التي تدعو إلى تخصيص مسارات عضوية لصناع المحتوى داخل نقابتي الصحفيين والإعلاميين، بما يتيح للمحترفين الاستفادة من الخدمات والحماية النقابية، وفقًا لشروط ومعايير محددة.
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور طارق سعدة، نقيب الإعلاميين، أن قانون نقابة الإعلاميين رقم 93 لسنة 2016 يتضمن نصوصًا تتعلق بالإعلام الإلكتروني، وهو ما يفتح باب النقاش حول إمكانية تنظيم أوضاع بعض العاملين في صناعة المحتوى وفقًا لطبيعة ممارستهم وشروط القيد القانونية.
أما نقابة الصحفيين، فيطرح المقترح المتعلق بضم صناع المحتوى إليها تساؤلات حول مدى توافق طبيعة أعمالهم مع قانون النقابة وشروط العضوية، خاصة أن العمل الصحفي له قواعد مهنية واضحة تتعلق بالتحرير والتحقق من المعلومات والمسؤولية عن النشر.
ويبقى التحدي الأساسي في تحديد الفئات التي تستحق العضوية، والتمييز بين من يمارسون عملًا إعلاميًا أو صحفيًا بصورة احترافية، وبين المستخدمين الذين يكتفون بنشر مقاطع الفيديو والمنشورات عبر حساباتهم الشخصية.
ميثاق شرف مهني.. هل يكون الحل لمواجهة التجاوزات؟
لا يمكن الحديث عن تنظيم صناعة المحتوى دون التوقف أمام ضرورة وجود قواعد أخلاقية تحكم ما يتم نشره عبر المنصات الرقمية، خاصة مع تزايد تأثير هذه المواد على الجمهور وسهولة انتشار المعلومات غير الدقيقة خلال وقت قصير.
ومن هنا تظهر أهمية وضع ميثاق شرف مهني يحدد مسؤوليات صناع المحتوى، ويشجع على تحري الدقة قبل نشر المعلومات، واحترام الخصوصية، والابتعاد عن التشهير والإساءة، إلى جانب توضيح طبيعة الإعلانات والمحتوى المدفوع وحماية حقوق الملكية الفكرية.
كما أن وجود قواعد واضحة قد يساعد على تعزيز ثقة الجمهور في المحتوى الرقمي، ويمنح المحترفين إطارًا يمكنهم من خلاله تطوير أعمالهم، دون أن يتحول التنظيم إلى وسيلة لتقييد حرية التعبير أو الحد من الإبداع.
بين الحماية والمحاسبة.. ما مستقبل صناع المحتوى؟
يحتاج تنظيم هذا القطاع إلى رؤية متكاملة لا تقتصر على مسألة العضوية النقابية، بل تشمل حماية حقوق العاملين، وتوفير فرص التدريب، وتعزيز الوعي بأخلاقيات النشر، وتحديد المسؤوليات القانونية والمهنية.
فصانع المحتوى الذي يمتلك جمهورًا واسعًا عليه مسؤولية تجاه ما يقدمه، كما أن المؤسسات والنقابات مطالبة بمناقشة طبيعة العلاقة مع هذه الفئة، خاصة أن الإعلام الرقمي أصبح جزءًا أساسيًا من حياة الجمهور، ولم يعد من الممكن تجاهل تأثيره أو التعامل معه باعتباره نشاطًا هامشيًا.
وبين الانتقادات التي تطارد بعض صناع المحتوى، والنجاحات التي يحققها آخرون في تقديم مواد متخصصة وهادفة، أصبح تنظيم هذا المجال قضية تتجاوز حدود منصات التواصل الاجتماعي، وتمس مستقبل الإعلام وطبيعة الممارسة المهنية في العصر الرقمي.
فهل تنجح النقابات في فتح أبوابها أمام صناع المحتوى وفق معايير تضمن الكفاءة والمسؤولية، أم تظل هذه الفئة خارج المظلة النقابية رغم التأثير الكبير الذي أصبحت تمتلكه في المجتمع؟.



