سباعية سوبر نوڤا | «أنا بكبر».. هل يخشى جيلنا التغيير؟
تحمل هذه الأغنية معاني متعددة تحتمل أكثر من تأويل. فقد تمنحك انطباعًا بأن صاحبها يخشى التغيير، لكن ما الذي يخيفه في التغيير أصلًا؟، ربما لأن جيلنا حاول التغيير مرتين، وخاض ثورتين كاملتين، لكنه لم يجد أن العالم أصبح أفضل بالضرورة. وهكذا، تحول التغيير نفسه إلى مصدر للخوف من المجهول؛ فماذا لو بذلنا كل هذا الجهد مرة أخرى، ثم وجدنا أنفسنا في المكان نفسه؟
الأغنية تطرح فكرة لافتة حين تدعوك إلى النظر إلى الآخرين، لكن بطلها لا يكتفي بالنظر إليهم، بل يضع نفسه مكانهم، ليكتشف أنه يرتدي الحذاء نفسه، ويسير في الطريق ذاته الذي حاول الهروب منه. فهو لا يزال يحمل القلب نفسه، بينما يواصل العالم من حوله الركض من نفس الكلب المسعور!.
إنها أزمات جيل كامل، تتشابه فيه المخاوف والمشكلات، حتى لو اختلفت تجارب أفراده وتفاصيل حكاياتهم. ومع ذلك، يظل النص مفتوحًا أمام كل متلقٍ، ليقرأه وفقًا لتجربته الخاصة، ويستخرج منه المعنى الذي يراه أقرب إليه.
لكن ذكاء أمير عيد هنا أنه اختار من القصيدة الجزء القابل للغناء، والذي يحتمل تأويلات مختلفة، وابتعد عن مقطع آخر شديد الأهمية، لم يدخل في الأغنية، يقول فيه الشاعر مصطفى إبراهيم:
انا الزبون الدائم للمطاعم اللي بيسهروا لمتأخر
صديق كلاب المنطقة من غير أسامي
شهواني و ملول
و عدو الناس اللي بتتكلم علطول
تلميذ خيبات الأمل المتتالية
و من أنصار الباب المقفول
بعرف اقول معرفش
و بعرف اقول شكراً
و بعرف اقول للشعب العامل دُمتُم ذخراً
و بقول للشعب العطلان معلش..
انا حاسس بيك
بتمنى الدنيا تدّيني و تدّيك
بتمنى الدنيا تفهمنا واحد واحد
أو تستنانا لحد ما أحزاننا تفارقنا
بحلم زيّٙك أعيش مرتاح..
وأعيش إنسان
وبحلم يوم ما نلاقي طريقنا
تفضل حاجة ما بيننا
إحنا كمان
مش للبيع
ولا للنسيان.
وهنا لا يتوقف الأمر عند قصيدة واحدة، فمصطفى إبراهيم يضع في الديوان «الزمن» هوامش شعرية تكمل المعنى، وتمنح القارئ فرصة أخرى لفهم النص من زاوية مختلفة. وربما كان هذا أحد المعاني الأساسية التي أراد ألبوم «سوبر نوفا» التعبير عنها؛ أن نعود إلى الشعر، ونقرأه من جديد، ونكتشف ما وراء كلماته، بدلًا من الاكتفاء بالمعنى المباشر الذي يصل إلينا من المرة الأولى.
وفي أحد هذه الهوامش، الملتصقة بقصيدة «أنا بكبر» يقول مصطفى إبراهيم:
الحياة مش رومانسية كفايه
وعمر في يوم من الأيام
ما هيجي مُنصف يقلب الآيه
ويلتفت ويقول:
بصراحة ياجماعة ...
ولا اللي واقف قصاد المدفع الرشاش
ولا اللي واقف قصاد الغولة في الأحراش
هما اللي يستاهلوا نوط الشجاعة...
اللي يستاهله...
واقف قصاد المرايا
وعقارب الساعة..
هنا يعيد الشاعر تعريف البطولة. ففي الزمن الذي نعيشه، لا تقتصر البطولة على من يقف في مواجهة المدفع الرشاش، أو من يواجه الغولة في الأحراش، ولا تنحصر فيمن يحارب أو ينتصر للمظلومين أو يحاول تغيير العالم من حوله. فهناك بطولة أخرى، أقل صخبًا وربما أكثر صعوبة، تتمثل في قدرة الإنسان على الوقوف أمام المرآة ومواجهة نفسه، بينما تمضي عقارب الساعة ولا تنتظر أحدًا.
أن تواجه العالم أمر صعب، لكن أن تواجه نفسك، وتكتشف عيوبك ومشكلاتك وحقيقتك، ثم تتحمل مسؤولية ما تراه، فذلك اختبار لا يقل صعوبة. وربما يكون هو البداية الحقيقية لأي تغيير نتمناه؛ لأن العالم لن يصبح أفضل لمجرد أننا نريد تغييره، وإنما حين يبدأ كل منا بمراجعة نفسه وفهم ما يحتاج إلى إصلاحه فيها.
معانٍ جميلة، لا يمنحك الألبوم فرصة الاستماع إليها فحسب، بل يدفعك إلى العودة إلى الشعر، وإعادة قراءة القصائد، وتذوق الكلمات، والبحث بين السطور عن معانٍ ربما لم تنتبه إليها من قبل.
والأجمل أن تصل إلى تفسير مختلف عن تفسيري، وأن تجد في النص ما لم أجده أنا، أو ترى في الكلمات حكاية أخرى لم تخطر ببالي أصلًا.
فحين تنجح الأغنية في أن تعيدك إلى القصيدة، وتدفعك إلى التفكير والقراءة والاختلاف، فإنها تكون قد تجاوزت حدود الاستماع، لتصبح تجربة فنية تمنح كل متلقٍ حق المشاركة في اكتشاف معناها، وفي رأيي، لا يوجد جمال في الدنيا أكثر من ذلك.