سباعية سوبر نوڤا "مت ليه".. حين تمنحنا الأغنية حق التأويل
هنا أغنية من كلمات الشاعر الراحل ميدو زهير، عن قصيدته «مت ليه»؛ القصيدة التي كتبها صاحبها، ثم رحل فعلًا، يقول فيها، كما سمعنا، إنه مات من فرط الركض في محاولة الوصول.
وهنا يكتمل المعنى الذي تطرحه الأغنية مع فكرة أغنية «تاتا تاتا»: تمهّل، واخرج من أي سباق وجدت نفسك محاصرًا فيه، فأنت لست مطالبًا بإثبات أي شيء لأحد، لأنك إن ركضت، ستموت من أجل الوصول، لكنك في النهاية لن تصل إلى شيء أيضًا، لأن البلاد بعيدة.
تقول الأغنية: «وإنت كنتي بلاد بعيدة».. فمن هي تلك البلاد البعيدة؟ ومن التي قالت «كفر في بداية القصيدة»؟ رغم أننا نموت في حبها، «وعايزة مننا حنان.. فبنحن»، و«عايزة مننا جنان.. فبنجن»، فحبها فينا لا يريد أن يفارقنا، وقد استوطن أرواحنا مثل «الجن»!، على من ينطبق هذا الكلام؟.
بالطبع، لكل متلقٍ الحق في تأويل معاني الكلمات وفقًا لرؤيته وتجربته، لكنني أرى أن هذه المعاني تنطبق على حبيبتنا، أم الدنيا مصر.
مصر التي تريد منا الجنون فنجن، لأننا أبناؤها وشبابها، أولئك الذين وصفهم عبد الرحيم منصور في أغنية محمد منير:
إحنا يا عروسة شبابك.. تكتبي نقرا كتابك
تتعبي بنشيل عذابك.. تؤمري بنكون جوابك
وإحنا صافيين زيك إنتي.. وإنتي دايمًا باقية إنتي
طاهرة زي الشمس صافية زينا
يا عروسة النيل تعيشي يا مصرنا
ومن هنا تأتي أيضًا أهمية هذا الألبوم؛ فعندما نستمع إلى أغنية مستمدة من قصيدة ذات أبعاد إنسانية عامة، يكتبها شاعر متميز، فإننا لا نكون أمام معنى واحد مغلق، بل أمام مساحة مفتوحة للتأويل، تسمح لكل متلقٍ بأن يعيد اكتشاف النص وفقًا لتجربته ورؤيته للعالم.
أنا أميل إلى تفسير كلمات «مت ليه» باعتبارها حديثًا عن محبوبتنا مصر، وعن علاقتنا المعقدة بها؛ ذلك الحب الذي يدفعنا إلى بذل المزيد من الجهد من أجلها، حتى ونحن ندرك أن الوصول إلى ما نتمناه ليس مضمونًا. لكن ربما لا يرى متلقٍ آخر في الكلمات سوى حكاية حب شخصية، أو تجربة إنسانية تتعلق باللهاث وراء هدف بعيد، أو حتى تأملًا في عبثية السباق الذي يفرضه المجتمع على أفراده.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة النص؛ فهو لا يفرض علينا إجابة جاهزة، ولا يختزل تجربتنا في معنى واحد، بل يمنحنا فرصة المشاركة في إنتاج المعنى، ويجعلنا طرفًا في الحكاية، لا مجرد مستمعين يتلقون رسالة مكتملة من دون أن يكون لهم دور في اكتشافها.
هذه المتعة، المتمثلة في محاولة فهم ما وراء الكلمات، واستنتاج ما يقصده الشاعر، والاختلاف حول دلالات النص وتأويلاته، ثم الدخول في نقاشات تفتحها الأغنية بعد الاستماع إليها، أصبحت من الأشياء التي نفتقدها كثيرًا في أغاني البوب السائدة. فمع هيمنة الكلمات الواضحة والمباشرة، التي لا تترك مساحة تُذكر للتأويل، تحولت قطاعات واسعة من الأغاني إلى نصوص تشرح نفسها بنفسها، وتقدم معناها للمستمع بصورة نهائية لا تستدعي منه سوى التلقي.
والأزمة لا تتوقف عند المباشرة، بل تمتد إلى التكرار والاستهلاك، حتى أصبحت المعاني والصياغات تتشابه إلى درجة يصعب معها العثور على جديد يميز أغنية عن أخرى، أو يمنحها حياة تتجاوز لحظة انتشارها الأولى.
لذلك، لا تكمن أهمية «سوبر نوفا» في اختياراته الموسيقية وحدها، بل في استعادته قيمة النص الذي لا ينتهي عند آخر كلمة في الأغنية، وإنما يبدأ منه نقاش آخر، وتولد معه قراءات متعددة، ويجد كل مستمع فيه ما يشبهه أو يختلف معه.
وهذه، في رأيي، إحدى العلامات الفارقة بين أغنية نستهلكها ثم ننتقل إلى غيرها، وأغنية تظل معنا لأنها منحتنا ما هو أبعد من اللحن والكلمات؛ منحتنا فرصة التفكير، والاختلاف، وإعادة اكتشاف أنفسنا والعالم من حولنا.